مفهوم شعر الزجل، أهميته، مقوماته وأنواعه

9TV 9TV20 فبراير 2022آخر تحديث :
مفهوم شعر الزجل، أهميته، مقوماته وأنواعه

9tv : عبدالرحيم مكرم

اولا : مفهوم الزجل لغة و اصطلاحا 

الزجل لغة: كل صوت كصوت الرعد والرحى والرياح والأشجار و الأحجار و الحيوان و الإنسان ومنه صوت الحمام الزاجل . فالأصل الحسي لكلمة زجل يفيد أنها كانت تعني : درجة معينة من درجات شدة الصوت ، وهي الدرجة الجهيرة ذات الجبلة و الأصداء وبهذه الدلالة ، كان فيه الرعد. كما قيل لصوت الأحجار و الحديد و الجماد أيضا زجل.

اصطلاحا: كل شعر منظوم بلغة عامية و بلهجة  دارجة ، لا يراعي فيها قواعد الإعراب ولا الصيغ الصحيحة للكلمات الأصلية الفصيحة. واستعمل الشعراء في نظمه كل بحور الشعر الفصيح القائمة على أسس العروض فنسجوا منه وفق ما تقتضيه لغتهم الدارجة أزجالا ما زال الجيد منها محفوظا حتى اليوم.

والزجل فن من الفنون الأدب الشعبي، وشكل تقليدي من أشكال الشعر العربي باللغة المحكية.وعادة يكون في شكل مناظرة بين عدد من الزجالين (شعراء ارتجال الزجل) مصحوبا بإيقاع لحني بمساعدة بعض الآلات الموسيقية. ويعود أصله إلى جزيرة العرب قبل الإسلام. وهو اسم أطلقه الأندلسيون على شعرهم العامي الذي شاع أشتهر في القرن الثاني عشر الميلادي ، خاصة على يد “ابن قزامة “و جماعته و انتشر بعد ذلك في لهجات الأقطار العربية الأخرى في المشرق في بدايات القرن العشرين الميلادي . ويقول ” صفي الدين الحلي “أن مخترعي الزجل هم أهل المغرب العربي ، تم انتقل إلى المغرب العربي ، تم انتقل إلى العراق وباقي الدول العربية ويعتبر الأندلسيون السباقون في مجال الشعر المحكي إلا أن الشعب الذي عاش في جبال لبنان مما عنده ثروة طبيعية ضخمة و فنون متعددة أضاف العديد من الألوان الشعر الشعبي.

وأول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية “أبو بكر بن قزمان”: إن كانت قيلت قبله بالأندلس ، لكن لم يظهر حلاها ولا انسكبت معانيها واشتهرت رشاقتها إلا في زمانه . وكان لعهد الملثمين وهو إمام الزجالين على الإطلاق. و قال ابن سعيد : ورأيت أزجاله مروية ببغداد أكثر مما رأيتها بحواضر المغرب ، قال : وسمعت أبا الحسن بن جحدر الإشبيلي إمام الزجالين في عصرنا يقول: ما وقع لأحد من أئمة هذا الشأن ما وقع لابن قزمان شيخ الصناعة.

وقد ارتبط الزجل في بداياته بالمدينة ، وظل وسطيا بين أشكال النظم العربية: الفصيح والمأثور الشعبي الجمعي و الفلكلوري . ثم تحول تدريجيا الى شكل مستقل ومتميز عن باقي الأشكال التعبيرية الشعبية الأخرى. ويرتبط الزجل كتعبير شعبي مستقل باسم الشاعر الأندلسي ( ابن قزمان/ت:554 هجرية )، وتداخل في بداياته مع الموشح ، ثم انفرد بخصائص أخرى لاحقا. إلا أن مراحله المبكرة الجنينية تعود – حسب بعض الدراسات – الى مرحلة القرن 3 هجرية  ، وتعتبر اقل تطورا من مرحلة ابن قزمان وما بعدها.. وقد انتقل الى المغرب ثم المشرق بعد ذلك . ومن أهم خصائصه الشكلية : اتفاق القصيدة الزجلية مع القصيدة المعربة في التزام الوزن ، والقافية ، والمطلع والمصرع ، وتختلف عنها في اللغة حسب بعض الدراسات . ومن أهم المفاهيم التي وصف بها الزجل : المطالع / الأغصان /الأسماط /الأقفال / الأدوار / الخرجات.

ثانيا: مقومات الزجل، عروضه وأوزانه

لا يخفى على الأدباء أن الزجل نوع من الشعر، وبما أنه كذلك فإن مقومات الشعر هي نفسها مقومات الزجل، ولا خلاف بينهما إلا من حيث اللغة الموظفة، التي هي في الزجل اللغة اليومية، لغة العامة، وهي لهجة أو لغة تختلف من منطقة لأخرى، ومن جيل إلى آخر..

وهذه المقومات يمكن تلمسها في مفهوم الشعر، وفي نظريات الشعر، لدى العرب القدماء والمحدثين، ولدى نظريات الشعر الأوربي، ولدى المستشرقين منهم الذين درسوا الشعر العربي، طبقا لمنظورهم منه، ومقارنة له بشعرهم المخصوص... ومن بين هؤلاء يمكن الإشارة إلى “مقدمة” ابن خلدون.

الزجل عروضه وأوزانه

ظهر الزجل في الغرب الإسلامي، على عهد الدولة المرابطية، بكل من الأندلس والمغرب، ثم شاع صداه في المشرق، ببغداد والعراق خاصة، ثم بمصر فيما بعد، وكان من أبرز من نبغ فيه الشاعر الزجال” أبو بكر بن قزمان”(المتوفى سنة 556هجرية/الموافق لسنة1160ميلادية

وإذا كان الزجل قد اعتمد اللهجة العامية التي لا تخضع عادة لقواعد النحو، كما هي في اللغة العربية الفصحى، إلا أنه قد التزم الوزن، واعتمد عروض الشعر العربي، في معظم ألوانه، وإن كان قد صنع لنفسه أوزانا خاصة به، في بعض الأحيان..

ومهما يكن من أمر فالزجل لم يكن خاليا من الوزن، في أي نوع من أنواعه، والذين يعتقدون أنهم يكتبون “الزجل” خال من أي وزن، فهم إنما يكتبون “نثيرا فنيا” باللهجة العامية، على غرار كتابة “النثير الفني” في اللغة العربية الفصحى، وهو الذي يسمى بـ”قصيدة/النثر”، يضاف إليه كثير من نصوص “شعر التفعيلة”، والفرق الجوهري بينهما إنما هو بلغة الكتابة دون سواها، الأول باللهجة العامية، والثاني باللغة العربية الفصيحة

وفي ذلك يقول ابن خلدون، من مقدمته: “وهذه الطريقة الزجلية لهذا العهد هي فن العامة بالأندلس من الشعر، وفيها نظمهم حتى إنهم لينظمون بها في سائر البحور الخمسة عشر، لكن بلغتهم العامية “..

لكن صاحب كتاب”ميزان الذهب، كان قد أخطأ في اعتبار الزجل دون وزن، وذلك حينما أشار فيه إلى كون”هذا الفن من وضع العامة اتبعوا فيه النغم، دون مراعاة الوزن، وربما نظموا في سائر البحور الستة عشر، لكن بلغتهم العامية، مع ملاحظة أنه إنما استند إلى كلام ابن خلدون دون أن ينسبه إليه، على الرغم من أن ابن خلدون لم يذكر قط أن الزجل بغير عروض ولا وزن، ولم يذكره غيره من المحققين، لذلك فإن الزجل لا بد له من الوزن على غرار الشعر الذي هو جزء منه

يقول الدكتور إبراهيم أنيس، في كتابه موسيقى الشعر: “أوزان الأزجال لا تكادا تزيد على الأوزان المعهودة في الشعر العربي، إن لم تقل عنها، إن الأزجال مثلها مثل الموشحات قد اشتملت على أوزان لم يشر إليها العروضيون، ولم ترد في الشعر العربي، وتضمنت في بعض الأحيان مزجا من أكثر من وزن واحد، ولكنا حتى في هذا نلحظ دائما انسجاما بين الأوزان الممزوجة في الزجل الواحد، ومن أوزان الأزجال: الرمل، البسيط، المتدارك التام، مجزوء الرجز، السريع، المتقارب، الهزج، “.

لكن أمام اللهجة الدارجة، أو اللهجات المتعددة، تكاد لا تتوضح أوزان الأزجال، لدى كثير من المبدعين والدارسين، على حد سواء، وذلك بسبب لجوء الزجالين إلى أوزان ابتدعوها لأزجالهم، وأخذت تعرف وتضبط بعدد المتحركات والسواكن، في لأشطر والأبيات، وهي التي حددها بعض الدارسين في عدد المقاطع الصوتية، مثل المرحوم محمد الفاسي، في عروض الملحون، الصادر بمعلمة الملحون، من طرف أكاديمية المملكة المغربية

ويمكن أن أقول إن الوزن الحقيقي يتم ضبطه، من خلال الأدوار الإيقاعية، التي يمكن أن تكون جزءا من الشطر الواحد، ويمكن أن تعادل شطرا كاملا، أو شطرين، أو بيتا كاملا، أو مجموعة من الأشطر، أو الأبيات، حسب البنية الإيقاعية لقصيدة الزجل، التي اختارها الزجال نفسه، تماما على نحو ما تتأسس عليه الموشحة، وهذا يكشف عن سر العلاقة الكامنة بين الجنسين الشعريين... وتبعا لذلك نجد، في الشعر الحساني، على سبيل التمثيل لا الحصر، أن أوزانه تعرف بعدد محركاتها، في كل شطر، أو بيت، فهناك وزن له 8 متحركات، ووزن له7، ووزن له6، وآخر له5،…وهكذا، ويتحدد لكل وزن مصلح يعرف به دون سواه... ونفس الشيء بالنسبة لكل الأزجال، كيفما كان نوعها، لكل منها وزن مخصوص بها، ولكل وزن مصطلح يتميز به، سواء من حيث الوزن، أو من حيث التقفية، وقد ذكر بعضها محمد الفاسي، في عروض الملحون، كما ذكر بعضها الآخر الدكتور أنيس، فضلا على أن الزجال يمكن أن يصنع لزجله وزنا خاصا به، بشرط أن يكون فنيا ومنسجما.

ثالثا : أنواع الزجل

للزجل أنواع عديدة يصعب حصرها، وذلك بسبب ارتباطه بمجموعة متعددة من اللهجات، ولتنوع أمكنته، ولتعاقب أجياله، وما نذكره في هذا المقام يرتبط أساسا بأصول هذا الفن، وببعض النماذج، دون الإحاطة بكل أنواعه

وفي هذا الصدد يحدثنا ابن خلدون، في المقدمة، قائلا: إنه “لما شاع فن التوشيح، في الأندلس، وأخذ به الجمهور، لسلاسته، وتنميق كلامه، وترصيع أجزائه، نسجت العامة، من أهل الأمصار، على منواله، ونظموا، في طريقته، بلغتهم الحضرية، من غير أن يلتزموا فيها إعرابا…واستحدثوا فنا سموه الزجل، والتزموا فيه على مناحيهم، لهذا العهد، فجاؤا فيه بالغرائب، واتسع فيه للبلاغة مجال بحسب لغتهم العجمية“.

والظاهر من هذا القول أن الزجل قد نشأ بتأثير من التوشيح، أو أنه قد تولد منه، ومن هنا تبدو العلاقة وطيدة بين هذين الفنين، في مختلف أنماطهما وهكذا تكونت، في البداية، مجموعة من الأنواع الزجلية، التي ما لبثت أن تولدت عنها أنواع عديدة لا حصر لها، حسب تعدد اللهجات، وتنوع الأمصار، وحسب تعاقب الأجيال الشعرية، من بين هذه الأنواع ما أشار إليه ابن خلدون، في المصدر السابق، يقول:

”     ثم استحدث أهل الأمصار، بالمغرب، فنا آخر، من الشعر، في أعاريض مزدوجة كالموشح، نظموا فيه بلغتهم الحضرية أيضا، وسموه “عروض البلد”، وكان أول من استحدثه فيهم رجل من أهل الأندلس، نزل بفاس، يعرف بابن عمير، فنظم قطعة على طريقة الموشح، ولم يخرج فيها عن مذاهب الإعراب إلا قليلا“….

وعلى نفس المنوال تم استحداث أنواع زجلية عديدة، في أمصار أخرى، من الوطن العربي، من ذلك مثلا أنه قد تم استحداث أنواع زجلية تعرف على النحو التالي:

عرض البلد، بفاس
المواليا، ببغداد.
كان وكان، بواسط بالعراق.
القوما، بالقاهرة.
الدوبيت، بالعراق.
السلسلة، بالعراق.

هذا بالنسبة لبعض الأنواع الزجلية القديمة، أما إذا أردنا أن نحصر أنواع الزجل، في عصرنا الراهن، فإن الأمر يقتضي منا أن نقوم بمسح دقيق لكل أنواعه، على مستوى خارطة الأقطار العربية، لنعرف أنواع الزجل محليا وقطريا، ثم بعد ذلك يمكننا أن نتعرف على مجموع الأنواع الزجلية الموجودة في عموم الأقطار العربية، وهذا أمر يحتاج إلى جهود متضافرة من مختلف الباحثين، في كل الأقطار العربية، المهتمين بدراسة الموضوع.

وحتى بالنسبة للقطر الواحد فإن الأمر يبدو صعبا، على الأقل بالنسبة لي شخصيا، لأننا ما زلنا لم نتوفر على إحصاء دقيق لكل أنواعه الموجودة في وطننا صحيح أننا نتوفر على بعض الدراسات، في الموضوع، لكنها ما زالت قليلة، بالقياس إلى الكم الهائل المفترض وجوده، من نصوص زجلية، تعود لأجيال متعددة، في مختلف الأنواع والمناطق المغربية، ومن بين تلك الدراسات، يمكن أن أذكر منها، على سبيل التمثيل لا الحصر، دراسات كل من الدكتور الجراري، والأستاذ الفاسي، والأستاذ الملحوني، والأستاذ حسن نجمي، وغيرها، فضلا عن بعض البحوث الجامعية التي أخذت تعرف طريقها إلى الإنجاز، من طرف عدد لا بأس به من الطلبة، من مختلف المستويات، لكنها بحوث قليلا ما يتم نشرها، وتظل حبيسة الرفوف، دون العمل على الاستفادة منها، وذلك لأسباب عديدة، لا حاجة لاستعراضها

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة