محمد لحياني : 9tv
غيب الموت، مساء الاثنين 31 غشت 2026، المعلم الكناوي عزيز باقبو، بعد معاناة طويلة مع المرض، ليرحل أحد الأسماء المرتبطة بالمدرسة الكناوية المراكشية، تاركاً وراءه مساراً فنياً امتد لسنوات حافلة بالحضور والعطاء.
وجاء رحيل عزيز باقبو بعد أسابيع قليلة من مشاركته في لقاء تكريمي خصص لشقيقه الراحل مصطفى باقبو، الذي توفي في شتنبر 2025، في مفارقة حزينة جعلت الأسرة تفقد اثنين من أبرز أسمائها خلال فترة زمنية قصيرة.
وكان عزيز قد شارك، يوم 27 يونيو الماضي بمدينة الصويرة، إلى جانب شقيقه أحمد وعدد من المعلمين والفنانين، في لقاء استعاد سيرة مصطفى باقبو ومساره في خدمة فن كناوة، وذلك ضمن فعاليات مهرجان كناوة وموسيقى العالم.
وينتمي الراحل إلى أسرة ارتبط اسمها بشكل وثيق بتاريخ «تاكناويت» في مراكش؛ إذ كان والده المعلم العياشي باقبو من الأسماء المعروفة في المدرسة الكناوية المحلية، قبل أن تنتقل هذه الممارسة الفنية إلى أبنائه، ومن بينهم أحمد ومصطفى وعزيز.
وهكذا نشأ عزيز داخل بيئة موسيقية جعلت من كناوة جزءاً من الحياة اليومية للعائلة، قبل أن يحمل بدوره لقب «المعلم»، بما يحمله من دلالات تتجاوز مجرد العزف، لتشمل الإلمام بالتراث الموسيقي والطقوسي، وضبط الإيقاعات والمقامات، والحفاظ على تقاليد متوارثة داخل المدرسة الكناوية.
مسار فني بين التقليد والانفتاح
على امتداد مسيرته، واكب عزيز باقبو التحولات التي عرفها فن كناوة، خصوصاً انتقاله من فضاءات الممارسة التقليدية إلى المسارح والمهرجانات الكبرى، وانفتاحه على أنماط موسيقية مختلفة.
وكان مهرجان كناوة وموسيقى العالم بالصويرة إحدى المحطات البارزة في مساره، حيث شارك في عدد من دوراته، من خلال تجارب فنية جمعت بين الموسيقى الكناوية وألوان مغربية وعالمية مختلفة.
وفي دورة 2013، شارك في تجربة موسيقية مع الفنانة ماجدة اليحياوي ضمن لقاء جمع كناوة بالملحون، بينما عاد في دورة 2015 للوقوف على منصة المهرجان إلى جانب الموسيقي المغربي جاوك، في تجربة أخرى عكست قدرة الفن الكناوي على الحوار مع تجارب موسيقية متنوعة.
كما كان للراحل حضور في الفضاءات ذات الطابع الروحي والطقوسي، إذ شارك في إحدى «الليالي» الكناوية ضمن فعاليات مهرجان الصويرة، محافظاً بذلك على الصلة بين كناوة في صورتها المعاصرة وأصولها التقليدية.
ولم يقتصر حضور عزيز باقبو على العروض الحية، بل جرى توثيق عدد من أعماله موسيقياً، من بينها تسجيلات صدرت ضمن إصدارات مرتبطة بمهرجان كناوة وموسيقى العالم، وهو ما أتاح لأدائه أن يحتفظ بمكان داخل الذاكرة الصوتية لهذا الفن.
«المعلم».. ذاكرة تنتقل من جيل إلى آخر
لم يكن عزيز باقبو مجرد موسيقي يؤدي عروضاً على الخشبة، بل كان ينتمي إلى جيل من المعلمين الذين حملوا مسؤولية الحفاظ على تقاليد كناوة ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
وتكتسب هذه المهمة أهمية خاصة في ظل المكانة التي بات يحتلها فن كناوة على المستوى العالمي، بعدما أدرجته منظمة اليونسكو سنة 2019 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية.
وتقوم استمرارية هذا التراث، في جانب كبير منها، على النقل الشفهي والتعلم داخل الأسرة والمحيط الاجتماعي، وهو ما تجسده تجربة عائلة باقبو التي حافظت عبر أجيال على حضورها داخل المشهد الكناوي المراكشي.
وفي هذا السياق، كان عزيز يرى في علاقة الفنان بالجمهور جزءاً أساسياً من مهمته، مؤكداً في إحدى المناسبات أن إسعاد الجمهور والتفاعل معه يمثلان دافعاً للاستمرار في خدمة الفن الكناوي.
رحيل عزيز بعد مصطفى.. حزن داخل الأسرة الكناوية
يأتي رحيل المعلم عزيز باقبو بعد أقل من عام على وفاة شقيقه مصطفى، أحد أبرز الأسماء الكناوية التي ساهمت في انفتاح هذا الفن على تجارب موسيقية متعددة.
ويعيد هذا الرحيل إلى الواجهة الدور الذي لعبته عائلة باقبو في الحفاظ على المدرسة الكناوية المراكشية، من خلال أجيال متعاقبة جعلت من الموسيقى والتراث جزءاً من هويتها ومسارها.
وبوفاة عزيز، تفقد «تاكناويت» واحداً من معلميها الذين عاشوا مرحلة الانتقال من فضاءات الممارسة التقليدية إلى العالمية، دون أن تنقطع صلتهم بجذور هذا الفن وطقوسه وإيقاعاته.
رحل المعلم عزيز باقبو، لكن صوته وأداءه وما خلفه من أثر سيظل حاضراً في ذاكرة كناوة، وفي تسجيلات وأرشيف مهرجانات احتضنت مساره، وفي تلامذة وفنانين ورفاق طريق واصلوا حمل المشعل.
وهكذا، ينتهي فصل من مسيرة أحد أبناء سلالة باقبو، فيما تستمر «تاكناويت» في أداء رحلتها بين الذاكرة والمسرح، وبين مراكش والعالم.




