محمد لحياني : 9tv
دخل حزب العدالة والتنمية غمار الاستحقاقات التشريعية المرتقبة يوم 23 شتنبر 2026، ببرنامج انتخابي موسع يتضمن 467 إجراءً موزعة على خمسة محاور رئيسية، ضمن وثيقة تمتد على 101 صفحة، وتقدم تصور الحزب لمجموعة من الملفات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدبلوماسية.
ويتمحور البرنامج حول شعار «تحقيق كرامة المواطن»، من خلال التركيز على تحسين جودة التعليم، وضمان تغطية صحية فعلية، وتوفير شروط الشغل اللائق، وتعزيز التضامن الاجتماعي، إلى جانب إصلاح المؤسسات وتخليق الحياة العامة.
ويقدم الحزب برنامجه باعتباره أرضية لعمله داخل البرلمان، سواء في حال استمرار وجوده في المعارضة، من خلال التشريع والمراقبة، أو كأساس للتفاوض بشأن البرنامج الحكومي في حال مشاركته في تدبير المرحلة المقبلة.
تشخيص للوضع السياسي والاجتماعي
ينطلق الحزب من قراءة للوضع العام خلال السنوات الأخيرة، مسجلاً ما يعتبره استمراراً لارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب ارتفاع معدلات البطالة واستمرار عدد من الإشكالات المرتبطة بالتعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
كما يضع محاربة الفساد وتضارب المصالح والريع الاقتصادي، إلى جانب ضمان المنافسة العادلة، ضمن أبرز المداخل التي يرى أنها ضرورية لتحسين فعالية السياسات العمومية.
ويربط البرنامج استعادة الثقة في المؤسسات والعمل السياسي بضمان نزاهة الانتخابات، وتقوية أدوار المؤسسات المنتخبة، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مع تعزيز الوظائف التشريعية والرقابية للبرلمان.
الهوية والأسرة.. محور أول للبرنامج
ويولي الحزب أهمية خاصة لقضايا الهوية والأسرة، من خلال التأكيد على الهوية الإسلامية والوطنية للمملكة والثوابت الدستورية والوحدة الوطنية والترابية، مع استحضار مختلف روافد الهوية المغربية.
ويقترح البرنامج وضع استراتيجية وطنية مندمجة لتعزيز الهوية والقيم المغربية، تشمل الأطفال والشباب والأسر، إلى جانب تطوير برامج للتعريف بتاريخ المغرب ومؤسساته وثوابته.
وفي المجال الديني، يتضمن البرنامج مقترحات للرفع من الاعتمادات المخصصة للمساجد والعناية بها، وتحسين ظروف الأئمة والخطباء والمؤذنين والقيمين الدينيين، فضلاً عن تطوير برامج تكوينهم وتأهيلهم في عدد من القضايا المرتبطة بالأسرة والشباب والمواطنة والتحولات الرقمية.
أما اجتماعياً، فيدعو الحزب إلى إرساء برنامج وطني متعدد القطاعات لتعزيز التماسك المجتمعي، وتوسيع مراكز القرب الأسري والاجتماعي، مع تطوير خدمات الاستماع والدعم النفسي والإرشاد التربوي ومواكبة الأطفال والشباب في وضعيات صعبة.
كما يقترح تعزيز مؤسسات الرعاية الاجتماعية الموجهة للمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة، وإحداث منصة وطنية للفرص التطوعية ودعم المبادرات الجمعوية والمحلية.
إصلاح سياسي ورقمنة الإدارة
ويضع المحور الثاني إصلاح المنظومة السياسية والمؤسساتية في صلب أولوياته، من خلال تكريس الخيار الديمقراطي وحماية الحقوق والحريات، وتعزيز نزاهة العملية الانتخابية.
ويشمل ذلك، وفق البرنامج، إعادة الاعتبار لأدوار الأحزاب والبرلمان، وتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، مع العمل على توضيح الاختصاصات بين الإدارات المركزية والمصالح الترابية.
كما يقترح الحزب مواصلة إصلاح منظومة العدالة وتعزيز استقلال القضاء ونزاهته، إلى جانب محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح.
وتحضر الرقمنة بدورها ضمن هذه التصورات، عبر تسريع التحول الرقمي للإدارة والمؤسسات، وتبسيط المساطر، وتقليص آجال معالجة الملفات، والحد من التعامل المباشر في بعض الخدمات، بما يساهم، بحسب البرنامج، في تحسين جودة المرفق العمومي والحد من فرص الفساد.
التعليم والصحة في صلب الخدمات العمومية
وفي مجال التعليم، يدعو حزب العدالة والتنمية إلى استكمال الإصلاح القانوني والمؤسساتي، وتعزيز الدور التربوي والقيمي للمدرسة، إلى جانب تعميم التعليم الأولي ذي الجودة وضمان التعليم الإلزامي ومحاربة الهدر المدرسي.
كما يركز على تحسين جودة التعلمات، والنهوض بأوضاع الموارد البشرية، وتطوير التكوين المهني، وإصلاح التعليم العالي والبحث العلمي، وربط الجامعة بحاجيات التنمية وسوق الشغل.
وفي قطاع الصحة، يطرح الحزب تصوراً يقوم على ضمان فعالية التغطية الصحية الشاملة، وإعادة الاعتبار للمستشفى العمومي، وتنظيم العلاقة بين القطاعين العام والخاص، وتقوية الرعاية الصحية الأولية وتحسين مسار علاج المرضى.
ويتضمن البرنامج أيضاً مقترحات تهم السياسة الدوائية، والموارد البشرية الصحية، والحكامة الترابية للقطاع، واستدامة تمويل المنظومة الصحية، إلى جانب تطوير نظام معلوماتي صحي موحد.
وبخصوص الحماية الاجتماعية، يدعو الحزب إلى توحيد حكامة هذا الورش ومراجعة عدد من آليات الاستهداف وشروط الاستفادة، مع تعزيز حماية الأسرة والأطفال والمسنين والأشخاص في وضعية إعاقة.
كما يقترح اعتماد ميثاق وطني يحدد الحد الأدنى من الخدمات الأساسية التي ينبغي توفيرها للمواطنين، وتحقيق قدر أكبر من العدالة المجالية في توزيع الاستثمارات العمومية، مع برامج خاصة بالعالم القروي والمناطق الجبلية والمدن الصغيرة والمراكز الصاعدة.
القدرة الشرائية والسكن والرياضة
ويخصص البرنامج حيزاً لحماية القدرة الشرائية، من خلال مقترحات تهم مراقبة الأسواق وضبط أسعار المواد الأساسية والمحروقات، وحماية المستهلك وتعزيز المنافسة.
كما يطرح الحزب تطوير سياسة للسكن اللائق، ومعالجة صعوبات الولوج إلى السكن، مع ربط المشاريع السكنية بالتخطيط الحضري وتوفير التجهيزات والخدمات العمومية الضرورية.
وفي المجال الرياضي، يدعو البرنامج إلى وضع استراتيجية وطنية متعددة السنوات، وإعداد خريطة وطنية للمنشآت الرياضية، واعتماد نموذج جديد لتدبيرها، إلى جانب إحداث مرصد وطني للرياضة وتوضيح أدوار مختلف المؤسسات المتدخلة.
اقتصاد منتج وتشغيل الشباب
ويركز المحور الاقتصادي على بناء اقتصاد وصفه الحزب بالمنتج والتنافسي والمستدام والسيادي والقادر على خلق فرص الشغل.
وفي هذا الإطار، يربط البرنامج تحسين مناخ الاستثمار بمحاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، مع اقتراح إجراءات لدعم الاستثمار والنمو والتشغيل وتعزيز الصناعة الوطنية والإنتاج المحلي.
كما يتضمن البرنامج تدابير لتسهيل ولوج المقاولات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، إلى التمويل والعقار الصناعي والبنيات التحتية، وتشجيع تشغيل الشباب وتسهيل استفادة المقاولات من الصفقات العمومية والفرص الاستثمارية.
ويولي الحزب كذلك أهمية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني والصناعة التقليدية، فضلاً عن تعزيز السيادة الغذائية والمائية والطاقية، وتطوير الاقتصاد الأخضر، والحفاظ على استدامة المالية العمومية، وتحقيق قدر أكبر من العدالة والمردودية الجبائية.
الصحراء المغربية وفلسطين والدبلوماسية الاقتصادية
وفي محور السياسة الخارجية، يؤكد الحزب تشبثه بالسيادة والوحدة الوطنية والترابية، مع مواصلة الدفاع عن قضية الصحراء المغربية وتعزيز المكاسب الدبلوماسية للمملكة.
كما يعلن البرنامج دعمه للقضية الفلسطينية ورفض التطبيع، بالتوازي مع الدعوة إلى تعزيز العلاقات مع المحيط العربي والإسلامي والإفريقي.
ويشدد الحزب على أهمية تطوير التعاون مع الدول الإفريقية، من خلال توسيع برامج المنح والتكوين لفائدة الطلبة والأطر الأفارقة، ودعم المشاريع العابرة للحدود والاستثمارات المغربية بالقارة.
وعلى مستوى العلاقات الدولية، يدعو البرنامج إلى الحفاظ على الشراكات القائمة مع أوروبا والولايات المتحدة، مع الانفتاح أكثر على الصين وروسيا والقوى الاقتصادية الصاعدة.
كما يقترح تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية عبر إحداث وحدات متخصصة داخل السفارات في الأسواق ذات الأولوية، واعتماد مؤشرات سنوية لقياس مدى مساهمة التمثيليات الدبلوماسية في جذب الاستثمارات ودعم الصادرات وفتح أسواق جديدة أمام المقاولات المغربية.
وبذلك، يقدم حزب العدالة والتنمية برنامجه الانتخابي باعتباره تصوراً شاملاً للمرحلة المقبلة، يجمع بين الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ويضع «كرامة المواطن» عنواناً مركزياً لالتزاماته أمام الناخبين، في انتظار ما ستفرزه صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر المقبل.




