.
عاد داء «الدفتيريا» أو «الخُناق» إلى واجهة الاهتمام الصحي بالمغرب، بعد تسجيل حالات إصابة ووفيات خلال الأسابيع الأخيرة، عقب غياب المرض عن البلاد لأكثر من ثلاثة عقود، ما أعاد إلى الواجهة أهمية التلقيح واستدراك الجرعات التي لم يستفد منها بعض الأطفال.
وكانت جهة سوس-ماسة من بين أولى المناطق التي رُصدت فيها عودة الداء، بعد تسجيل بؤرتين عائليتين بكل من عمالة أكادير إداوتنان وإقليم اشتوكة آيت باها، قبل أن تظهر حالات أخرى في مناطق مختلفة من المملكة، من بينها سلا وأقاليم جهة طنجة-تطوان-الحسيمة.
وتزامنت هذه التطورات مع تسجيل وفيات مرتبطة بالمرض، من بينها حالات بجهة سوس-ماسة، ثم سلا، وصولاً إلى مناطق الشمال، حيث سجلت جهة طنجة-تطوان-الحسيمة حالات مؤكدة ومشتبه فيها، ما دفع المصالح الصحية إلى تكثيف الرصد وتتبع المخالطين والتكفل بالحالات.
ويرى مختصون أن أحد أبرز أسباب عودة الدفتيريا يرتبط بتراجع التغطية التلقيحية خلال فترة جائحة «كوفيد-19». فقد حالت إجراءات الحجر الصحي والقيود على التنقل دون استفادة عدد من الأطفال من بعض الجرعات في مواعيدها، كما لم تبادر بعض الأسر إلى استدراك هذا التأخر بعد انتهاء الجائحة. وأدى ذلك إلى اتساع فجوة التلقيح ووجود فئات من الأطفال تفتقر إلى الحماية الكافية ضد أمراض كان المغرب قد نجح في الحد منها بفضل التلقيح.
ولم يتوقف الأمر عند تأثير الجائحة، إذ ساهم انتشار معلومات مضللة حول اللقاحات في تنامي التردد لدى بعض الأسر، الأمر الذي جعل استكمال الجرعات، خصوصاً التذكيرية منها، يمثل تحدياً إضافياً أمام الحفاظ على مستوى المناعة المجتمعية. ويحذر المختصون من أن استمرار هذه الفجوة قد يسمح بعودة أمراض معدية أخرى كانت تحت السيطرة.
وتعد الدفتيريا عدوى بكتيرية شديدة العدوى، تنتقل أساساً عبر الرذاذ التنفسي والمخالطة المباشرة، وقد تبدأ أعراضها بالحمى والتهاب الحلق وصعوبة البلع، قبل أن تتطور في الحالات الخطيرة إلى صعوبات في التنفس ومضاعفات قد تطال القلب والجهاز العصبي والكليتين.
ويؤكد الأطباء أن التلقيح يظل الوسيلة الأكثر فعالية للوقاية من المرض، داعين الأسر إلى مراجعة الدفاتر الصحية والتأكد من استكمال الأطفال لجميع الجرعات المقررة، مع استدراك أي جرعات ناقصة بتوجيه من المراكز الصحية أو الطبيب المعالج. ويشمل البرنامج الوطني للتمنيع جرعات أولية خلال الأشهر الأولى من عمر الطفل، تليها جرعات تذكيرية في مراحل لاحقة.
وتشكل العودة الحالية للدفتيريا رسالة واضحة بأهمية الحفاظ على المكتسبات التي تحققت بفضل برامج التلقيح، وعدم التعامل مع الأمراض التي تراجعت لسنوات وكأنها اختفت نهائياً. فكل تراجع في التغطية التلقيحية يمكن أن يترك ثغرات في المناعة المجتمعية، بما يسمح بعودة أمراض قابلة للوقاية إلى الظهور من جديد.
ومن هنا، يظل استدراك الجرعات الفائتة، وتعزيز حملات التحسيس، ومحاربة المعلومات المضللة، إلى جانب سرعة تشخيص الحالات وتتبع المخالطين، من أبرز الإجراءات الكفيلة بالحد من انتشار الدفتيريا وحماية الأطفال والمجتمع.
