وتتناسل الحكايات

9TV 9TV13 يونيو 2022آخر تحديث :
وتتناسل الحكايات

9tv :

وتتناسل الحكايات
…أقول والعهدة على الراوي، أنه إذا تأزم صدري أو أحسست بضيق داخلي قصدت بيت العجوز أردد أدعية وتعاويذ، فيجيبني سريعا وعلى حين لحظة، غير أن هذه المرة وجدوا معطفه معلقا على نافذة الغرفة المهجورة المهترئة…قيل أنه فارق الحياة، وقيل أنه غادر، وقيل أنه ركب قوارب الهروب، وقيل وقيل…
في ليلة من الليالي الباردة، كنت متسمرة في كوخ خشبي صغير، تعلوه الأعواد المصنوعة من الحشائش اليابسة، أرقب النجوم وهي تتراقص حول قمرها، وأمد يدي للواتي يسقطن مستسلمات لرجم الشياطين، هكذا سمعتهم يفسرون الأضواء الخافتة التي تنزل من السماء، كنت أخشى أن أكون واحدة منهم في نظر العجوز بعد فقدان بريقة في الحياة جراء انشغالاته العديدة بتفاصيل حياتي. قال لي ذات مرة: ستكبرين وتجدين جيوب ذاكرتك ممزقة، لا تحتفظ بثقل أحداث مارس العصيبة، لن تكوني شاهدة على سقوط الحركة بداخلي، ولن يكون بمقدورك تذكر الحملات الإذاعية التي حركتها من أجلك، ستجدين وجوها جديدة بملامح الأمل، حيث لم تذق طعم الانتظار الذي حدثتك عنه…لم أكن أفهم من كلامه غير ثقل الحروف التي تمتم بها وهو يرجف من حر اللحظات التي كان يمر بها،، غيوم من الأحزان، وحتى هضبة اليأس التي يطل على العالم منها لم يعد بمقدوره النزول منها…أخذني ذات صباح إلى شارع الفداء بمدينة الدار البيضاء، وسط كومة من الأصوات الباكية وصرخات السيارات الحاملة لأوجاع الصغار مثلي، أخذ العجوز يقلب كفيه ذات اليمين وذات الشمال ومعطفه مثقل بأحزمة من أوراق لم أقدر على كشف مضامينها. أخرج ورقة صغيرة تحمل عنوان دكتورة تساعد الأطفال على استرجاع قواهم،،،كنت أجد صعوبة في إدخال الهواء إلى جسمي حتى أضمن له راحة المشي والقدرة على الجواب،، حتى الريح الصلصال العاتية لم تجد مكانا لها في رئتي الجافتين،،،نفخ في صدري ريعان شبابه ولحظات انتشائه بقدومي للحياة، وما جادت به إقامته في بيت الأجداد، ذكريات ساعدتني على الوقوف بجانبه مستقيمة من كل الاعوجاجات….
امتطينا سيارة أجرة صغيرة للوصول إلى عيادة الدكتورة نعيمة، وعند وصولنا، يمم العجوز وجهه شطر قاعة الانتظار. كانت خاوية من المرضى والمتسولين، وكانت الجماجم معلقة في متحف لا يقل عن متحف المحروسة شساعة، كل جمجمة مدون عليها تاريخ وفاة صاحبها، أحسست كما لو أنني مخيرة في الرحيل، قعدت أفكر فيما يمكن للمرء أن يصنع يعد أن يولد فاقدا الحركة، حينها أومأت لي جمجمة فسبابتها الصغيرة، تنحيت للوراء قليلا ثم شرعت في تلمس خصلات شعرها الباقي على رأسها، يظهر عليه الألم وفقدان الحركة، يتوسد كتف رضيع آخر، يهمس في أذنه اليسرى،،،قريبا سيسحب تمثال الحرية يده من كبد السماء… لحظة، خرجت المساعدة تطلب منا الدخول إلى غرفة الفحص.
لما وطأت رجلاي الغرفة الحالكة، انغمست في التفكير باللحظات التي سيحملون فيها جثماني، والحشد الغفير من الناس يضربون سيقانهم،، والرجال يتقدمون لمقبرة سيدي محمد بن لحسن للحد جثتي…بعد سهو قصير، نظرت اتجاه ملامح العجوز، وجدته يكتم انقلابا ف صدره، نثر تنهيدة ووجه سؤاله. أهي بخير؟. لا سيدي: الحراة مرتفعة جدا، تحتاج مضادات حيوية…أليس بمقدور غرفتك الباردة تهدئة حالها المتعب؟…عم الصمت وبدأت المفاوضات، كان كل واحد كأنه بركان.
لملمت الدكتورة نعيمة حزنها في داخلها وخطت بقلمها في ورقة صغيرة عليها أسماء الأدوية التي تذيب النجاة في اللانجاة…الطيبات والجميلات لا يمتلكن روح الحفز والتشجيع، هن يقبرن أحلامنا بقساوة، أتذكر عرّافا في بيت جدي كان يوزع سنوات الحر على شياطينه ويخفيها في كوب ماء دافئ…لقد كان العجوز يملأ بياض فراغي بقصصه البطولية، بينما كنت الصغيرة الحاملة ثقل المستشفيات وأرحام العجائز التي لا فائدة منها، فقد تحدث لي ذات مرة عن سبب فراقه مع التي لعنها أكثر من مرة، يحس بظمأ شبابه كلما ذكر اسمها، هي لا تستحق مسنا كهذا، هي تسببت في جفاف البلدة ككل، كان يتحدث بتفصيل عن رغبتها في إقبار اسمي والتفرد بلونها الأسمر القاتل، يفرك كفيه ويتحسر عن عدم توفقه في إيجاد شقراء رسمها على أوراق عتمة شبابه.
في صباح اليوم التالي، كان صباحا خريفيا هذه المرة، وكانت السماء ملبدة بالغيوم، ذهبت أتسكع وحيدة وسط المدينة أسمع أصوات الراحلات إلى زاوية سيد الباين، واحدة تحمل في يدها البيض، وأخرى الشموع، وأخرى التمر، بينما أخرى انتابها الفضول وبدأت تصيح:
أيتها الصغيرة ، أأنت المكناة بأبيك
نعم
لقد ظهرت نتائج الاختبار، وقد منحتك أياما أخرى للعيش بيننا.. لم أكن لحظتها أفكر في الفرص بقدر ما أفكر في رسم الابتسامة على وجه العجوز، فهذه النتائج ستمنحه القدرة على البقاء معي لأطول مدة ممكنة، هو عجوز يلفظ أنفاس المكان، ويزرع حبات الفرح بداخلي.. أسرعت إلى باب الغرفة الخشبي، طرقته، انتظرت خطواته المتثاقلة، لم أعهد ذلك الصمت المخيف، لم أعهد أصوات المكبرين في بيته،،، نظرت تحت السرير، وجدت حلما يتطاير منه الدخان،،، عدت إلى والدي مسرعة، ولكن أين هو والدي الآن؟ أغمضت عيناي، ما إن فتحتهما حتى وجدت طفلا في عمر الخامسة يقول: خالتي: أتحتاجين المساعدة للقيام؟.

المهدي قنديل

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة