بقلم محمد بونفاع
اليوم، نقف عند ظاهرة أثارت الكثير من الجدل والنقاش في الساحة المغربية: عودة عبد الإله بنكيران، الأمين العام السابق لحزب العدالة والتنمية، إلى الواجهة السياسية.
منذ أسابيع قليلة، لا يكاد يمر يوم دون أن يتصدر اسم بنكيران النقاشات في الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي، بل وحتى في المجالس الخاصة.
عاد بنكيران، لكن هل عاد كفاعل سياسي يحمل مشروعاً جديداً؟ أم كصوت مألوف يحاول أن يسترجع مجده السابق؟
الأكيد أن ظهوره أعاد الحرارة إلى مشهد سياسي بدا بارداً، باهتاً، غارقاً في الأرقام والتقارير.
في زمن الأزمة الاقتصادية، وارتفاع الأسعار، وتراجع ثقة المواطنين في السياسة، ظهر بنكيران بخطابه المباشر، العفوي، الساخر أحياناً، المربك في أحيان أخرى.
لكن لنطرح السؤال بوضوح:
هل بنكيران اليوم ظاهرة إيجابية تعيد النقاش إلى مكانه الصحيح؟ أم أنه مجرد عودة للخطاب الشعبوي؟
هل هو البديل السياسي؟ أم مجرد صدى لماضٍ انتهى؟
بنكيران، بنموذجه الخاص، يختلف تماماً عن النموذج الذي يمثله رئيس الحكومة الحالي عزيز أخنوش.
أخنوش هو رجل الأعمال، يتحدث بلغة المشاريع، بلغة التقنية، بالإحصائيات والخطط.
أما بنكيران، فهو السياسي الخطابي، الذي يراهن على الحضور الشخصي، على الكاريزما، على النكتة أحياناً، وعلى استحضار الدين والقيم الأخلاقية في خطابه.
وهنا يبرز التباين بوضوح:
أخنوش يمثل الإدارة. بنكيران يمثل السياسة.
أخنوش يتحدث كمدير شركة. بنكيران يتحدث كزعيم شعبي.
لكن، من ينجح أكثر في التأثير؟
من يفهم الناس؟
من يملك مفاتيح الشارع؟
في العمق، لا يتعلق الأمر بشخص بنكيران فقط، بل بما يمثله:
الحنين إلى الخطاب السياسي الحي، إلى السياسي الذي يخرج من المكاتب، ويخاطب المواطن بلغة قريبة، مفهومة، وربما حتى مثيرة.
لكن هناك من يعيب على بنكيران أسلوبه الفوقي، الساخط، الساخر، الذي يهاجم الخصوم أحياناً بدون ضوابط، ويحول النقاش السياسي إلى نوع من الاستعراض.
كما أن البعض يرى أن خطاب بنكيران لم يتغير: هو نفس الخطاب منذ 2011، نفس العبارات، نفس النبرة، وكأن الزمن السياسي لم يتحرك.
في المقابل، نموذج أخنوش هادئ، منظم، لكنه يفتقر إلى الروح.
لا أحد يتذكر جملة قوية قالها، أو خطاباً ألهم الجمهور.
هو نموذج تقني بامتياز، لا يعتمد على الكاريزما بل على تنفيذ البرامج.
وهكذا نجد أنفسنا بين نموذجين:
• نموذج يتكلم كثيراً ولا يحكم الآن
• ونموذج يحكم كثيراً ولا يتكلم
فأيهما نحتاج اليوم؟
هل نحتاج من يقنعنا؟ أم من يخدمنا؟
هل نريد زعيماً يحرك مشاعرنا؟ أم مسؤولاً يضمن لنا استقرار المعيشة؟
إن عودة بنكيران تعيد إلى الواجهة هذه الأسئلة الكبرى:
هل انتهى دور الأحزاب في التأثير؟
هل أصبح المواطن يحتاج فقط إلى الحلول الاقتصادية دون أن يسمع صوتاً سياسياً صريحاً؟
أم أن السياسة لا تزال حاجة نفسية واجتماعية قبل أن تكون برمجية وإدارية؟
في النهاية، بنكيران ليس مجرد اسم. إنه نمط، خطاب، رؤية.
وأخنوش ليس مجرد رئيس حكومة، إنه أيضاً تمثيل لمرحلة ما بعد السياسة، مرحلة التقنية والإدارة والوعود الرقمية.
فهل يجتمع النموذجان؟
أم أن المغرب سيظل يتأرجح بين الخطيب والمدير؟
بين من يرفع الشعارات… ومن يحصي الأرقام؟




