محمد لحياني : 9tv
في كل مرة تتكرر الأخطاء ذاتها، كأننا ندور في حلقة مفرغة لا نهاية لها. نفس الوقائع، نفس الخطابات، ونفس الوجوه التي تعيد إنتاج الخيبة، حتى صرنا نعيش الفوضى كأنها قدرٌ لا مفرّ منه.
لقد أصبحنا نعيش زمناً تُغتال فيه الثقة بهدوء، كما يُطفأ الضوء في نهاية النفق. لم تعد الكلمات تُقنع أحداً، لأن التجربة كشفت أن الشعارات لا تبني واقعاً ولا تحفظ كرامة. السياسة تحوّلت إلى لعبة بلا أخلاق، وصار الولاء بديلاً عن الكفاءة، والتطبيل أقصر طريق إلى النجاة.
الذين يديرون المشهد يدركون أن المواطن المتعب لا يبحث عن الحقيقة، بل عن جرعة أمل – ولو كانت وهمية. وهكذا يُغذّى الوهم أكثر مما يُصلح الواقع.
الكتابة اليوم صارت مخاطرة. من يكتب من قلبه يُتَّهم بالمبالغة، ومن يتكلم بعقله يُصنَّف متمرداً، ومن يرفض النفاق يُتهم بتهديد الاستقرار. وكأن “الاستقرار” يعني أن نصمت جميعاً وأن نعيش داخل دائرة مغلقة تُعيد إنتاج ذاتها دون تغيير.
ما يؤلم حقاً ليس النقد، بل رحيل الثقة. فالثقة لا تموت بخيانةٍ واحدة، لكنها تترك في الوجدان ندبة لا تُشفى. وما زاد الأمر سوءاً أن بعض المسؤولين يتعاملون مع المناصب كغنيمة شخصية، يرفعون شعارات الشفافية ويمارسون التعتيم، يبيعون الأمل في موسم الانتخابات ويختفون ساعة الحساب.
الوعي هو الضمانة الأخيرة. وحين يرحل الوعي، تموت القدرة على المقاومة، ويصبح الفساد عادة، والظلم قَدَراً، والسكوت فضيلة. ولهذا يخافون الوعي أكثر من أي شيء آخر، لأنه لا يُشترى ولا يُباع.
لقد تعب الناس من الوعود المكرّرة، ومن الصور اللامعة التي تُغطي عفونة الواقع. تعبوا من الممثلين الجدد الذين يعيدون نفس النص القديم: وعود، تبشير، خيبة، وصمت.
لسنا ضد الوطن، بل ضد من يتخذ منه سلّماً للمصالح. لسنا ضد السياسة، بل ضد من جعلها وسيلة للثراء. الوطن لا يحتاج إلى المصفقين، بل إلى الشجعان الذين يقولون الحقيقة مهما كانت مُرّة.
لأن الصدق لا يحتاج إلى جمهور، والكرامة لا تُقاس بعدد المتابعين، والضمير لا يُقايَض. سنكتب لأننا نؤمن أن الكلمة الصادقة، وإن بدت ضعيفة اليوم، قادرة أن تُنبت وعيًا غدًا، مهما طال ليل الصمت.



