مدريد على خط الصحراء… حين تتحول الدبلوماسية الهادئة إلى هندسة سياسية للحل.

9TV 9TV8 فبراير 2026آخر تحديث :
مدريد على خط الصحراء… حين تتحول الدبلوماسية الهادئة إلى هندسة سياسية للحل.
9tv : س.ز.ح.ر
في هدوءٍ محسوب، وبعيدًا عن ضجيج التصريحات المتشنجة، تحتضن العاصمة الإسبانية مدريد، اليوم الإثنين، محطة دبلوماسية دقيقة في مسار النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية، من خلال لقاء ثنائي يجمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنظيره الإسباني خوسي مانويل ألباريس، يليه اجتماع لهذا الأخير مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، ستافان دي ميستورا.
ليست هذه اللقاءات مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل هي حلقة جديدة في مسلسل التحركات الهادئة التي باتت تقودها الرباط بثقة سياسية متزايدة، مستندة إلى شرعية دولية متنامية، وإلى مقترح الحكم الذاتي الذي لم يعد يُطرح كأحد الخيارات، بل كالإطار الواقعي الوحيد للحل، وفق ما رسّخه قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر في أكتوبر 2025.
مدريد… عاصمة المشاورات غير المعلنة
اختيار مدريد لم يكن اعتباطياً. فإسبانيا، بحكم تاريخها ومسؤوليتها السياسية والأخلاقية، تحولت في السنوات الأخيرة إلى فاعل إيجابي في دعم المسار الأممي للحل، بعد تحول موقفها الرسمي لصالح مبادرة الحكم الذاتي. واليوم، تؤكد هذه اللقاءات أن مدريد لم تعد مجرد طرف مراقب، بل صارت فضاءً سياسياً لإعادة ترتيب أوراق الملف تحت إشراف أممي وحضور دولي وازن.
ويأتي هذا التحرك مباشرة بعد المشاورات غير المسبوقة التي احتضنتها سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بمدريد، والتي جمعت لأول مرة جميع أطراف النزاع: المغرب، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو، بحضور أمريكي وأممي. مشاورات وصفت بالكاشفة، لأنها أزاحت الكثير من الغموض وأظهرت ملامح ميزان القوى السياسي الحقيقي داخل هذا الملف.
بوريطة… دبلوماسية الوضوح بدل الغموض
في تلك المشاورات، لم يذهب ناصر بوريطة بشعارات، بل بخارطة طريق واضحة المعالم. عرض الخطوط العريضة لمقترح الحكم الذاتي المُحيَّن، كصيغة عملية قابلة للتنفيذ، تُراعي سيادة المغرب وتضمن تدبيراً ديمقراطياً محلياً لشؤون الأقاليم الجنوبية.
هذا الطرح لم يعد يُقابل بالتردد الدولي كما كان سابقاً، بل أصبح يحظى بتأييد متزايد داخل مجلس الأمن وخارجه، وهو ما ترجمه القرار 2797 بعبارات دقيقة حين اعتبر أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الأساس الوحيد لأي حل سياسي واقعي وعملي ودائم.
تحرك أممي… على إيقاع التحولات الدولية
اجتماع ألباريس مع دي ميستورا مباشرة بعد لقائه ببوريطة، يؤكد أن الأمم المتحدة باتت تشتغل على إيقاع المعطيات الجديدة التي فرضها الواقع السياسي، حيث لم يعد الملف رهين خطابات الحرب الباردة أو منطق الاصطفاف الإيديولوجي، بل أصبح ملفاً يُدار بمنطق الحلول الممكنة لا الشعارات المستحيلة.
دي ميستورا، الذي يقود جولة مشاورات دقيقة مع الأطراف، يدرك أن مقترح الحكم الذاتي لم يعد مجرد رؤية مغربية، بل صار أرضية تفاهم دولي متنامٍ، خاصة بعد الانخراط الأمريكي والإسباني والفرنسي الواضح في دعم هذا التوجه.
من النزاع إلى التسوية… تغير في طبيعة الخطاب
ما يحدث اليوم في مدريد يعكس تحوّلاً في طبيعة التعاطي مع هذا النزاع. لم يعد الحديث يدور حول “تقرير المصير” بالشعارات الفضفاضة، بل حول كيفية تنزيل حل سياسي يحفظ الاستقرار الإقليمي ويُنهي نزاعاً استُهلكت فيه عقود من الزمن دون جدوى.
وهنا تكمن قوة المقاربة المغربية: الانتقال من الدفاع إلى المبادرة، ومن رد الفعل إلى صناعة الفعل الدبلوماسي.
الرباط… تثبيت المكاسب بهدوء
من خلال هذا الحراك، يظهر أن الرباط لم تعد في موقع انتظار مبادرات الآخرين، بل أصبحت تقود الإيقاع السياسي للملف، مستفيدة من تراكم الاعترافات الدولية بمغربية الصحراء، ومن القنصليات المفتوحة في العيون والداخلة، ومن التحول النوعي في مواقف قوى دولية مؤثرة.
مدريد اليوم ليست سوى محطة في مسار طويل، لكنه مسار يسير بثبات نحو تكريس قناعة دولية مفادها أن الحكم الذاتي ليس فقط مقترحاً مغربياً، بل ضرورة سياسية لإنهاء هذا النزاع.
لقاء بوريطة وألباريس، واجتماع هذا الأخير بدي ميستورا، ليسا مجرد خبر دبلوماسي عابر، بل مؤشر واضح على أن الملف دخل مرحلة جديدة عنوانها: التفاوض على تفاصيل الحل، لا على مبدأ الحل.
ومع كل محطة من هذا النوع، يتأكد أن الدبلوماسية المغربية اختارت طريق الفعل الهادئ، الذي قد لا يُحدث ضجيجاً إعلامياً كبيراً، لكنه يُحدث أثراً سياسياً عميقاً في مسار قضية تُعد من أولويات السياسة الخارجية للمملكة.
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة