9tv : عبدالرحيم مكرم
أولا: التعريف بالفرقة الغيوانية:
تأسست في ستينيات القرن الماضي في أحد أفق دروب الحي المحمدي ذي الحمولة التاريخية والاجتماعية في الدار البيضاء و أكثرها شعبية، الذي كان يشهد مجموعة من الظواهر الاجتماعية السلبية المتمثلة في الفقر و البطالة ….
وتكونت الفرقة من فنانين كبار أهمهم : “بوجميع (بوجمعة أحكور) ” و”العربي باطما” و”عمر السيد” و”عبد الرحمان باكو” و “علال يعلى ” الذين عاشوا ظروفا اجتماعية مختلفة والذين أعطوا للفرقة طابعا فنيا خاصا بها و مخالفا تماما مع الفرق الموسيقية التي كانت في ذلك الحين.
“و تعني عبارة ناس الغيوان: ” أهل الفَهَامة “، وهم أناس يفهمون ويستنبطون ما وراء العبارة فلا يكتفون بظاهر لفظها، وإنما ينجذبون عميقا إلى صفاء استعاراتها ومجازاتها. وأغلب هؤلاء هم شعراء جوّالون، تأثّروا بالطرق الصوفية الشعبية التي ظهرت بالمغرب مطلع القرن الرابع عشر الميلادي، واكتفوا من حياتهم بوظيفة التخلّي عن الدنيا والتجول في الأرض والإنشاد الذي كانوا يضمّنونه أخبار مَن مرّوا بهم من قبائل ونُجوع وتبليغها إلى مستمعيهم، ونذكر منهم الشاعر والصوفي المغربي، عبد الرحمن المجذوب، و سيدي بوعلام الجيلالي، و ابن المؤقت المراكشي وغيرهم
وقد تمثّلت فرقة “ناس الغيوان” تاريخ هؤلاء الرجال المجاذيب وروحانياتهم وغموضهم وترحّلهم وزجرهم من الظاهر وميلهم إلى ما لا يدركه البصر، ووجد فيه أفرادُها ما يصلح لهم سبيلاً إلى فهم متغيّرات زمنهم،في زمن كان فيه التعبير والنقد المباشر للسلطة والأوضاع أمرا خطيرا قد يؤدي إلى السجن أو القتل والتعذيب، فلاذوا به يستعيرون منه إيحاءاتِ التسمية، وصيغَ التواجد بين الناس، ومفردات الرحلة الروحية، والخروج من ضيق الجسد إلى براح .
يقول العربي باطما في مذكراته وهي أما وجدناه الأكثر تعبيرا عن خلفية الرحيل والترحل الصوفي في اللاّوعي الطفولي للرجل: “اسم أبي رحّال. اسم جدّي رحّال. اسم أمي حادّة. الرّحيل، الحدود، الحدّة، أسماء تعني العنف والألم وعدم الاستقرار، هكذا كانت طفولتي رحيلا بين الدار البيضاء والقرية.
عشت بين الشك واليقين، وفي كل مرّة، كنت أسأل نفسي، وأجد الحكمة تطوف فوق كل التساؤلات: المهم، ولا شيء مهم إلا أنا “.
اكتسبت مجموعة ناس الغيوان شعبيتها واحترامها واعتراف جميع المهتمين بالتأريخ الأدبي والفني للمغرب، نتيجة العطاء الفني وتأسيسهم لتراث غنائي تاريخي مغربي انطلاقا من قربهم وانغماسهم في هموم ومعاناة شعب مقهور في ظرفية سياسية صعبة من تاريخ المغرب المعاصر من سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وتغني هذه المجموعة عن آلام الشعب المغربي وآماله، فأغنية “مهمومة”، “وغير خوذوني”، و”فين غادي بيا خويا”، و”سبحان الله صيفنا ولاشتوى”، و”ضايعين ضايعين”، “ونرجاك أنا” و”الصينية” و”الهمامي”.. وغيرها كثير من الأغاني التي ترددت على ألسنة فئات متعددة ومتنوعة من أبناء الشعب المغربي، بل أصبحت هذه الأغاني في مرحلة معينة من تاريخ المغرب، ملاذ هروب واحتماء من سياط الفقر والقمع وقلة ذات اليد، وانعدام الحريات، وإهانة الإنسان… والمثير في مجموعة ناس الغيوان أنها استطاعت أن تُكسب نصوصها الغنائية طابعا فنيا مثيرا، أوّلا من حيث احتماليتها المضمونية، وثانيا من حيث قوة أدائها الموسيقي، فالاحتمالية المضمونية تتجسد في إقبال الناس عليها باختلاف طبائعهم وإيديولوجياتهم وطموحاتهم. كل هذه المعطيات والظروف ساهمت فيما يمكن أن يصطلح عليه في سنوات السبعينيات والثمانينيات بالظاهرة الغيوانية .
وتستمد فرقة ناس الغيوان قوتها الفنية و أغانيها من مأثورات شعبيّة زجليّة ذات إحاءات صوفية، نلقى لها وجودا في سجلّ التراث الشفهي المغربي في جل أغانيهم، وذلك سواء من حيث ذكر أسماء رجال الصوفية مثل سيدي عبد الرحمن المجذوب، وسيدي بوعلام الجيلالي، وابن المؤقت المراكشي وغيرهم من رجالات الصوفية والتراث الشفهي المغربي، و من حيث الملفوظ الصوفي، وقد عضد هذا التوجّه الغنائيّ الصوفي اعتماد ناس الغيوان على آلات موسيقية عتيقة مثل “الهجهوج” و”الطام طام” و”السنتير” و”الطعريجة” و”الحراز” و”البانجو” و”الكمبري” والدربوكة، وهي التي كان بعضها مستعملاً في حضرة المشتاقين المجاذيب وأتباع الصوفية. هذا، إضافة إلى نزوع جميع أغاني هذه الفرقة إلى تعرية المسكوت عنه في المعيش اليومي باستعمال كثير من السخرية السوداء الممزوجة أحيانا بحماسة الموجة السبعينية في ذاك الوقت.
ثانيا : بصمات الغيوان وشهادات محلية ودولية :
حصلت ناس الغيوان على جوائز عديدة في مختلف الربوع الثقافية، حيت سلّم (فريدريك ميتران Frédéric Mitterrand)، وزير الثقافة والاتصالات الفرنسي، أوسمة لأعضاء فرقة ناس الغيوان من صنف “فرسان الفنون والآداب” التي تمنح باسم الجمهورية الفرنسية، قائلا في حقهم قولة استعار كلماتها من الفنان السينمائي الأمريكي مارتن سكورسيزي “إن ناس الغيوان بمثابة رولينج ستون.
ولكن الجائزة الكبرى والحقيقية، تتجلى في قدرة الغيوان التي نبعت من عمق الدار البيضاء الشعبية، على إيصال التراث الموسيقي المغربي وإحياء جذوره من التراب، كرسالة فنية سامية إلى الجماهير المغربية والمغاربية والعربية والإفريقية ثم العالمية والأوربية في سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.
أحيت فرقة ناس الغيوان، حفلات فنية في مختلف ربوع المغرب العربي أساسا، ثم دول العالم العربي ودول غربية، أعطت الفرصة للغيوان بالتواصل المباشر مع جماهير غير مغربية التي كانت انطلاقتها الأولى، وشهدت تلك المرحلة إحياء حفلات أسقطت كل الأسوار والحواجر التي تبنيها السياسة، ناجحة في إلهام الجماهير المغربية والمغاربية والعربية، وجماهير أروبية في عدة مناسبات، كلما سنحت الفرصة من خلال المشاركة في حفلات ومهرجانات فنية ناجحة في انجلترا وبلجيكا وفرنسا.
وتظهر أهمية البصمة الفنية والتراثية للمجموعة في تلك الحقبة من السبعينيات والثّمانينيَّات في الفيلم الوثائقي الحال (فيلم) للسينمائي البيضاوي أحمد المعنوني، الذي يعتبر الآن بمثابة “وثيقة سينمائية تاريخية” التي تطرق فيها الوثائقي إلى حياة وبيئة “ناس الغيوان” في ارتباطها بمنطقة الحي المحمدي بالدار البيضاء في أوج ازدهارها الفني والثقافي من سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن 20.
تحول الإنتاج الوثائقي من المحلية إلى العالمية، حيث حصل على الجائزة الأولى لـ ESEC سنة 1982، كما تم اختيار الفيلم الذي يدون لبيئة المجموعة في المسابقة الرسمية لمهرجان لندن، ومهرجان نيويورك. كما تم اختيار الفلم ليعرض ضمن فقرة “كان كلاسيك” في مهرجان كان العالمي سنة 2007.
اختير هذا الوثائقي كأول فيلم يتم تقديمه من طرف المخرج السينمائي العالمي مارتن سكورسيزي ليعرض في افتتاح تدشين “المنظمة العالمية للسينما”.
أغان لا تُخفي أبعادها العروبية التحرّرية التي فيها نبرات احتجاجية متصلة بكلّ ما يتعلّق بهموم المواطن العربيّ .



