حين تصل المأساة إلى العائلة… يتذكر البرلماني أن الصحة مسؤولية الدولة

Screenshot
Screenshot
9TV 9TVمنذ 54 دقيقةآخر تحديث : منذ 54 دقيقة

9tv

من حق البرلماني عبد الحق شفيق أن يحزن، ومن حقه أن يغضب، ومن حق عائلة الراحل أمين هاشم شفيق أن تطالب بكشف الحقيقة كاملة حول ظروف وفاة ابنها، خصوصاً إذا كانت هناك، كما يقول البرلماني، مشاكل مرتبطة بالأوكسجين أو بتعطل المصعد أثناء محاولة نقل الراحل إلى جناح الإنعاش.

ومن حقه أيضاً أن يطالب وزير الصحة بالتحقيق والمساءلة إذا كان يعتقد أن هناك تقصيراً أو إهمالاً.

لكن، بعيداً عن ألم العائلة، هناك سؤال سياسي وأخلاقي أكبر يفرض نفسه:

لماذا لم نسمع هذا الصوت بالحدة نفسها عندما كان المواطن البسيط يموت في صمت؟

لماذا يصبح وزير الصحة مسؤولاً عندما تصل المأساة إلى عائلة البرلماني، بينما تمر مآسي عشرات المواطنين الذين يشتكون يومياً من المستشفيات والمصحات دون أن تتحول بالضرورة إلى معارك برلمانية بنفس القوة؟

هذه ليست محاكمة لمشاعر البرلماني، وإنما مساءلة لدوره.

لأن عبد الحق شفيق ليس مواطناً عادياً يقف أمام المستشفى عاجزاً عن الكلام.

إنه برلماني.

والبرلماني لا يكتفي بالاحتجاج أمام الكاميرات عندما تصيبه الفاجعة في عائلته، بل يفترض أن يكون صوته حاضراً داخل المؤسسة التشريعية قبل أن تصل المأساة إلى بيته.

كان بإمكانه، طوال سنوات ممارسته للعمل البرلماني، أن يسأل وزير الصحة عن وضعية المستشفيات، عن نقص الأوكسجين، عن سيارات الإسعاف، عن أقسام الإنعاش، عن الأعطاب التقنية، عن الاكتظاظ، عن الموارد البشرية، عن المصحات الخاصة، وعن العلاقة غير المتوازنة أحياناً بين المريض وقدرته على الأداء.

كان بإمكانه أن يدافع عن المواطن الذي يدخل المستشفى وحيداً، ولا يملك نائباً أو مسؤولاً أو قريباً يستطيع أن يرفع صوته من أجله.

كان يمكنه أن يتحدث قبل أن تصل المأساة إلى رجليه.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة المؤلمة.

فالمواطن المغربي لا يحتاج إلى أن يكون قريباً من برلماني حتى يصبح موته قضية.

ولا يحتاج إلى أن تكون المأساة قد وصلت إلى عائلة مسؤول أو منتخب حتى يبدأ الحديث عن الإهمال والمحاسبة.

كم من أسرة مغربية نامت وهي تنتظر خبراً عن مريض داخل المستشفى؟

كم من أم وقفت أمام باب المستعجلات وهي لا تعرف ماذا تفعل؟

كم من أب اضطر إلى الاقتراض من أجل علاج ابنه؟

كم من مريض انتظر موعداً طويلاً لإجراء فحص أو عملية؟

كم من مواطن اصطدم بالاكتظاظ ونقص الأطباء والتجهيزات؟

وكم من أسرة وجدت نفسها أمام فواتير علاج تفوق قدرتها، ثم عاشت مأساة أخرى في لحظة وفاة قريبها؟

هذه ليست قصصاً خيالية.

هذه شكاوى يعيشها المواطنون يومياً، في القطاعين العام والخاص.

فإذا كان البرلماني اليوم يشعر بالغضب لأن أحد أفراد عائلته واجه ظروفاً يرى أنها غير مقبولة، فهذا الغضب مرحب به… لكن السؤال هو: أين كان هذا الغضب عندما كان الضحية مواطناً لا يعرفه؟

المشكلة ليست أن البرلماني دافع عن عائلته.

بل المشكلة أن الدفاع عن المواطن يجب ألا يبدأ عندما يصبح المواطن من العائلة.

هنا يظهر الفرق بين البرلماني الذي يمارس السياسة باعتبارها مسؤولية، والبرلماني الذي لا يتحرك إلا عندما تطرق المشكلة باب بيته.

البرلمان ليس مكاناً للدفاع عن الأقارب والأصدقاء.

البرلمان هو المكان الذي يجب أن تُرفع فيه أصوات الذين لا صوت لهم.

والبرلماني الذي أمضى سنوات طويلة داخل المؤسسة التشريعية يفترض أنه يعرف جيداً أن مساءلة وزير الصحة لا تبدأ عند أبواب المستشفى، ولا أمام جنازة، ولا أمام كاميرا.

تبدأ من قاعة البرلمان.

هناك تُطرح الأسئلة.

هناك تُطلب التوضيحات.

هناك تُفتح الملفات.

هناك تُناقش السياسات العمومية.

وهناك يُحاسب المسؤولون.

أما أن ينتظر السياسي حتى تقع الفاجعة في محيطه العائلي، ثم يخرج غاضباً ليقول إن الوزارة مسؤولة وإن القطاع يحتاج إلى مراقبة، فهذا يضع أمامنا سؤالاً بسيطاً:

لو لم يكن الراحل ابن أخته… هل كان سيخرج البرلماني بالتصريحات نفسها؟

سؤال قاسٍ، نعم.

لكنه سؤال مشروع في السياسة.

لأن المواطن الذي مات في مستشفى عمومي أو خاص قبل سنوات، أو الذي فقد أمه بسبب تأخر في التكفل، أو الذي اضطر إلى بيع ما يملك من أجل العلاج، أو الذي عاش تجربة قاسية داخل مؤسسة صحية، كان يحتاج أيضاً إلى برلماني يرفع صوته من أجله.

كان يحتاج إلى من يقول للوزير:

كفى. صحة المغاربة ليست مجالاً للتهاون.

كان يحتاج إلى من يسأل:

من يراقب؟

من يحاسب؟

من يتحمل المسؤولية؟

ومن يحمي المريض عندما يكون الطرف الأضعف؟

اليوم، ونحن على أبواب انتخابات جديدة، ربما آن الأوان لأن تتغير طريقة تقييم البرلمانيين.

لا ينبغي أن نسأل فقط:

ماذا قال البرلماني عندما مات قريبه؟

بل يجب أن نسأله:

ماذا فعل عندما كان المواطن يموت بعيداً عن عائلته؟

ماذا قدم في البرلمان؟

كم سؤالاً طرح؟

كم ملفاً تابع؟

كم مشكلة نقلها إلى المؤسسة التشريعية؟

كم مرة وقف إلى جانب مواطن لا تجمعه به قرابة ولا مصلحة انتخابية؟

وما الذي تغير في حياة الناس بفضل سنوات وجوده في البرلمان؟

هذه هي الأسئلة الحقيقية.

أما تحميل وزير الصحة المسؤولية عن وفاة الراحل، فذلك يجب أن يترك للتحقيق والمؤسسات المختصة، لأن الاتهام شيء وإثبات المسؤولية شيء آخر.

لكن المساءلة السياسية للبرلماني حق للمواطن أيضاً.

وكما يطالب البرلماني اليوم بالتحقيق في وفاة ابن أخته، من حق المواطن أن يطالب البرلمانيين بالتحقيق في سنوات من معاناة المغاربة مع الصحة.

لا نريد برلمانياً يستيقظ عندما تصل النار إلى بيته.

نريد برلمانياً يرى النار وهي تشتعل في بيوت المواطنين جميعاً، ويتدخل قبل أن تصل إليه.

فالسياسة ليست أن تدافع عن أهلك عندما تصيبهم المصيبة.

السياسة أن تجعل الدفاع عن المواطن عادةً… لا رد فعل عندما يصبح المواطن واحداً من أهلك.

والانتخابات قريبة.

ولذلك، فالسؤال هذه المرة ليس:

من سيترشح؟

السؤال الحقيقي هو:

ماذا قدمتم؟ ماذا غيرتم؟ ومن دافعتم عنه عندما لم تكن له قرابة بكم؟

فالمواطن لا يريد برلمانياً يتذكره عندما يحتاج إلى صوته… بل يريد برلمانياً يتذكره عندما يحتاج المواطن إلى صوته

رابط مختصر
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة