في عاشوراء

9TV 9TV14 يونيو 2022آخر تحديث :
في عاشوراء

9tv : حسناء وهابي

إنها الليلة التي ننتظرها بشغف كل سنة، إنها الليلة العاشرة من ليالي عاشوراء، حيث نلهو ونغني ونلعب، بلا إنذار ولا توبيخ،قد نبقى الليلة بكاملها في الخارج ولا أحد من حقه أن يمنعنا، نجوب كل أنحاء القرية بحثا عن أقراننا،ثم نطوف بالخيام وفي أيدينا الكثير من الألعاب، لكن اللعبة الرئيسية هي اللعب بالآلات الموسيقية التقليدية التي عملنا بجهد وفير في حقل السيد الحاج عبد القادر، هذا العم يملك مزرعة كبيرة، ونحن وأرضه وجهان لعملة واحدة، هو يحتاج لليد العاملة، ونحن نحتاج للنقود بغية الاستمتاع بليلة عاشوراء، ذهبنا لطرق باب خديجة ثم لبنى ثم زينب ثم عبد الحكيم وفريد وآدم وعمر وسعيد، وجماعة من أصدقاء المدرسة، قمنا بإضرام النار، وبقينا نستمتع بالألعاب النارية،وقرع طبول آلاتنا، وفجأة سمعت أمي تناديني: زهرااااا..ااا..ااا،علمت أنه حدث شيء ما، لطالما أسمع صوت أمي أرتبك جيدا لأني على علم بأنني اقترفت ذنبا لايغتفر، ظللت أركض إلى أن وصلت للبراكة، ففور وقوفي استلمت لطمة جميلة:
– لماذا ياأمي لطمتني؟ مالذي فعلته ثانية؟ أولدت من أجل الشقاء؟ أأنا تعيسة لدرجة أنني لم أستمتع بليلة عاشوراء؟
-أين الأغنام!
فهمت أنني أضعت شياهي التي أحبها، فعندما عدت من الرعي لم أغلق باب الزريبة بإحكام، فما كان علي إلا التخلي عن اللهو و السمر والإمتاع والمؤانسة رفقة أبناء القرية، وبقيت تائهة وسط الغابة،ولحسن حظي أن الليلة كانت مقمرة، وشجر العرعار زاده نور القمر بهاء، أما نبات الدوم فكان طعامي وملاذي للتستر من البرد القارس، وبعد دفئ رحيم بين جريد شجر الدوم، استشعرت لطمتي وتذكرت ضالتي، لم أجد أغنامي،فقد بحثت عنها في كل المراعي،إلا مكانا واحدا، وهو بعيد جدا وقلت لربما ذهبت إليه، هذا المكان أطلق عليه أهل القرية اسم “المدير” فهو مكان جميل وأنيق وهادئ، كل البهائم تحبه، وحتى الرعاع يهيمون بحبه، حيث أنه مجاور لمجرى نهري وللطريق الرئيسية، كنت طفلة شجيعة، لكن الشجاعة الكبرى هي ماتتوعدني بها أمي إن عدت خاوية الوفاض، فعقدت نيتي بثبات، وواصلت المسير،لم أكترث أن مكان المدير مجاور للطريق الرئيسية ولربما قد تهاجمني حيوانات ضارية، إلا أنني صممت على بلوغ ذلك المكان في أسرع وقت.
بعدئذ لم أستطع أن أعبر الصخرة المزركشة بالألوان الداكنة، وكثيرا ما كان يحدثني والدي عن خطورتها وهي أيضا لها اسم مرعب”صخرة غار الضربان”، فلربما كانت الضباء تسكنها قديما، غيرانها شاسعة ومخيفة جدا، لكن صراخ أمي كان أقوى من تعذر ظروف السير، فأصررت على ذلك،ثم قفزت من أعلى الصخرة وعلقت فوق شجرة بضراوة، أصبت بخدش بسيط فقط، ثم أكملت طريقي بحثا عن ضالتي.
وأخيرا وصلت لتوي ألهث، وسمعت صوت نعجتي “رولي” ، فشعرت بفرح شديد،وأن عذابي لم يذهب سدى، ثم حملت عصا وهششت بها على غنمي إلى أن وصلت.
وحينما وصلت ذهبت بنعاجي إلى الزريبة وقمت بإغلاق بابها بإحكام، ثم أسرعت للبحث عن أصدقائي، وقصصت لهم ماجرى لي، ثم أكملنا السمر، وبعد هنيهة قليلة أفلت النار المشتعلة، وانصرفنا لبيوتنا، ذاهبين للاستسلام لنوم رحيم يداعب أجفاننا التي لم تغمض في وقتها المعتاد.
وفي الصباح كان علينا أن نذهب للمدرسة، وفجأة حصل بيننا شجار عويص، فاحتدم الصراع كثيرا، وأضحوا يذكرونني بما حصل، فسررتها في نفسي،وكفكفت دمعي، وأكملت سيري، وعند وصولي أخبرت المعلم بالتمارين التي كلفنا بها منذ أسبوع ونسي أمرها، وهنا جميع العيون أصبحت معلقة بي، وكنت محط الأنظار الساخطة، لكنني لم أأبه للغة الأعين ذات الحمولة الشريرة، وفي الإستراحة أفرزوني في مكان خال، وأبرحوني ضربا، وعند انتهاء الاستراحة،تذكرت أمرا مهما، حيث كان قد كلفنا باستظهار قصيدة”ولد الهدى” وقد نسيها أيضا، فقمت بمراجعتها بسرعة، وذهبت بكراستي إلى مكتبه، وتكلمت معه بصوت خافت ببحة صوتية، ففهم الأمر وعدت لمقعدي، ولا أحدا منهم لاحظ شيئا، وبعد هنيهة بدأ المعلم في مناداتنا للاستظهارا واحدا تلو الآخر،وعندما وصلي إلي، شعرت بارتباك شديد، وتعالت الضحكات السخرية والقهقهات داخل القسم، لكنني بقيت أستظهر بحرقة شديدة وتمكنت من استكمالها،وكنت الناجية الوحيدة من مجزرة الاستظهار، وكانت لذة الانتقام لحظة بهية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة