محمد لحياني : 9tv
بعيدا عن صخب المدرجات وحماسة المنافسات الكروية، تبرز بطولة كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب كموعد تنموي بامتياز، أتاح للاقتصاد الاجتماعي والتضامني فرصة غير مسبوقة للظهور والتألق، وحول الحدث الرياضي القاري إلى منصة حقيقية لدعم التعاونيات والحرفيين والمقاولات الصغيرة جدا.
ومنذ الأيام الأولى لانطلاق البطولة، شهدت المدن المضيفة حركية اقتصادية لافتة، تجلت في الإقبال الكبير على الأسواق التقليدية والمتاجر الحرفية والفضاءات المخصصة للمنتجات المحلية، حيث وجد آلاف المشجعين القادمين من مختلف الدول الإفريقية والعالمية في الصناعة التقليدية المغربية نافذة لاكتشاف ثقافة عريقة متجذرة في التاريخ.
وسجلت التعاونيات النسائية، على وجه الخصوص، نشاطا غير مسبوق، خاصة تلك المتخصصة في منتجات زيت الأركان، والنسيج التقليدي، والزربية، والفخار، إذ تحولت هذه الفضاءات إلى محطات جذب رئيسية للزوار. وبالنسبة للعديد من هذه التعاونيات، مثلت بطولة كأس إفريقيا للأمم فرصة استثنائية تضاهي كبرى المعارض الدولية من حيث حجم المبيعات والتواصل مع زبناء جدد.
وفي المدن العتيقة، اشتغلت ورشات الصناع التقليديين بوتيرة متسارعة لتلبية الطلب المتزايد، مستفيدة من هذا الزخم السياحي الذي شمل مختلف فروع الصناعة التقليدية، من الجلد والنحاس والنسيج، إلى النقش على الخشب والتطريز التقليدي، ما أسهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي وخلق فرص دخل إضافية.
ولا تقتصر آثار هذه الدينامية على الجانب التجاري فحسب، بل تتعداه إلى بعد ثقافي وإنساني، حيث شكلت اللقاءات المباشرة بين الحرفيين والزوار فضاء لتبادل ثقافي غني، ساهم في إبراز التراث الثقافي اللامادي للمغرب وتعزيز إشعاعه على الصعيد القاري والدولي.
وفي هذا السياق، أكدت أمينة، رئيسة تعاونية نسائية بمراكش، أن كأس إفريقيا للأمم 2025 شكلت نقطة تحول حقيقية في مسار التعاونية، مشيرة إلى أن المبيعات تضاعفت بشكل ملحوظ، وأن اهتمام الزوار لا يقتصر على اقتناء المنتجات، بل يمتد إلى التعرف على طرق الإنتاج وقصص النساء العاملات داخل التعاونية، ما يعزز شعورهن بالفخر والانتماء.
وبموازاة ذلك، عرفت المقاولات الصغيرة جدا، خاصة تلك النشطة في مجال المأكولات التقليدية، انتعاشا واضحا، حيث شهدت المطاعم العائلية وأكشاك الحلويات ومتاجر التوابل إقبالا كبيرا من الزبناء الراغبين في تذوق المطبخ المغربي الأصيل. كما برز دور المقاولين الشباب الذين قدموا عروضا مبتكرة تجمع بين الأصالة والتجديد.
وساهمت السلطات العمومية في مواكبة هذه الدينامية، عبر إحداث فضاءات مخصصة للصناعة التقليدية والمنتجات المحلية بمناطق توافد الجماهير، ما مكن التعاونيات القروية والبعيدة عن مسارات التسويق التقليدية من الوصول المباشر إلى المستهلكين.
كما عززت المعارض الموضوعاتية المنظمة على هامش البطولة من هذا الزخم، حيث احتفت مدن مثل فاس وأكادير والدار البيضاء بالروابط الثقافية والاقتصادية التي تجمع المغرب بعمقه الإفريقي، وجعلت من الصناعة التقليدية عنصرا أساسيا في العرض الثقافي المواكب للحدث.
ويرى فاعلون وخبراء في مجال الاقتصاد الاجتماعي أن الآثار الإيجابية لكأس إفريقيا للأمم 2025 ستتجاوز زمن البطولة، بفضل الشبكات المهنية التي تم نسجها، والطلبيات التي تم عقدها، والصورة الإيجابية التي ترسخت لدى الزوار، ما يشكل رافعة حقيقية للتنمية المستدامة.
ويؤكد هذا النجاح قدرة المغرب على تحويل التظاهرات الرياضية الكبرى إلى فرص للتنمية الشاملة، حيث لم تكن بطولة كأس إفريقيا للأمم 2025 مجرد منافسة كروية، بل محطة اقتصادية وثقافية عززت مكانة التعاونيات والحرفيين والمقاولات الصغيرة جدا، ورسخت دور الاقتصاد الاجتماعي كأحد محركات التنمية المحلية والوطنية.




