ءيض يناير.. رأس السنة الأمازيغية كطقس ثقافي وميثاق جماعي لتقاسم الأرض والهوية

youssef11 يناير 2026آخر تحديث :
ءيض يناير.. رأس السنة الأمازيغية كطقس ثقافي وميثاق جماعي لتقاسم الأرض والهوية

محمد لحياني : 9tv

 

يشكل الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، المعروف بـ“ءيض يناير”، أحد أعمق التعبيرات الثقافية والرمزية في الذاكرة الجماعية للأمازيغ، إذ يتجاوز كونه مناسبة احتفالية موسمية ليغدو نظامًا ثقافيًا واجتماعيًا متكاملاً يؤطر علاقة الإنسان بالأرض، ويجسد قيم التضامن والتماسك داخل الجماعة.

وقد ارتبط الأمازيغ، عبر تاريخهم الطويل، بالأرض والزراعة، فكانت أساطيرهم وحكاياتهم الشعبية مرآة لتصورهم الكوني، تفسر الظواهر الطبيعية وتربط نشأة الكون بالحياة والموت والبعث وتجدد الخصوبة. وفي هذا السياق، يبرز الاحتفال بـ“ءيض يناير” كرمز لبداية دورة زراعية جديدة، وعلامة على الأمل في سنة خصبة ومعطاء.

ويقوم هذا الطقس على إعداد أكلات تقليدية خاصة، من قبيل “تاكلا” و“بركوكس” و“سكسو”، وهي أطعمة تُحضّر من خيرات الأرض، خصوصًا الشعير والذرة، وتُتناول بشكل جماعي داخل الأسرة أو العشيرة أو القبيلة. ولا يقتصر هذا الفعل على إشباع الحاجة البيولوجية، بل يحمل دلالات ثقافية عميقة، تعبر عن الانتماء والالتزام بميثاق الجماعة، وتعيد تثبيت روابط التحالف الاجتماعي.

وسجل عدد من الباحثين، من بينهم الإثنوغرافي إميل لاووست، أن هذه الطقوس الغذائية والاحتفالية ليست سوى امتداد لتصورات ميثولوجية قديمة، كانت تعتبر الأرض مصدر الحياة وتجددها. ورغم ما تعرضت له بعض هذه الطقوس من تحوير أو تراجع بفعل التحولات الاجتماعية، فإن مظاهر كثيرة منها ما تزال حاضرة في السلوك اليومي والاحتفالات العائلية والطقوس الجماعية، خاصة في القرى والمناطق القروية.

وتختلف تسميات وطقوس الاحتفال برأس السنة الأمازيغية باختلاف المناطق، ففي الشمال يُعرف بـ“شوميخا”، وفي الجنوب بـ“ءوركيمن”، بينما يسود اسم “ءيض يناير” في منطقة سوس ومناطق واسعة من المغرب. وتحرص العديد من الأسر في هذه المناطق على إحياء هذا اليوم بطقوس متوارثة، مثل تحضير “ءوركيمن” المكون من سبعة أنواع من القطاني، أو “تاكلا ن يناير” التي تمثل الأكلة الأكثر رمزية في هذا اليوم.

كما تحتفظ بعض المناطق بعادات قديمة ذات طابع رمزي، من بينها تقديم جزء من الطعام خارج القرية دون كلام، في إشارة إلى تقاسم رمزي للخير مع قوى الطبيعة، قبل أن يُقدّم الطعام لباقي أفراد الجماعة. وفي اليوم الموالي، تتجه النساء إلى الحقول لجمع الأعشاب الخضراء، إيذانًا بانطلاق سنة جديدة بلون الخصوبة والنماء.

وتُعد هذه الأكلات، وفي مقدمتها “تاكلا”، رمزًا للطبخ الأمازيغي الأصيل، ووعاءً ثقافيًا لقيم التضامن. ويعبر المثل الشعبي في منطقة حاحا عن هذه الدلالة بقوله:
“سكسو ءور ءيكا سكسو ءيغ فلاس ءور مون ميدن”،
أي أن الطعام لا يكون طعامًا حقيقيًا إلا إذا تقاسمه الناس مجتمعين.

وقد خلد العلامة محمد المختار السوسي هذا البعد الرمزي في قصائده، حين مدح “العصيدة – تاكلا” باعتبارها طعامًا جامعًا للفقراء والأغنياء، ومصدرًا للبركة والتكافل. فـ“تاكلا” ليست مجرد وجبة، بل فعل ثقافي يؤسس لقيم التحالف الاجتماعي والاستقرار داخل الجماعة.

وهكذا، يتضح أن “ءيض يناير” ليس احتفالًا فولكلوريًا عابرًا، بل ممارسة ثقافية عميقة الجذور، تعبر عن علاقة الإنسان الأمازيغي بأرضه، وتؤكد أن تقاسم الطعام هو في جوهره تقاسم للهوية والانتماء، وتجديد مستمر لعقد اجتماعي يقوم على التضامن والتعاون والعيش المشترك.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة