مصطفى البوابي : 9tv
في مشهد لا يخلو من طرافة مُحزنة، تقدّم مستشار برلماني عن فريق الأصالة والمعاصرة بسؤال كتابي إلى الوزيرة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، يطالب فيه بتكييف أوقات العمل الإداري مع مواعيد مباريات المنتخب المغربي في كأس العالم 2026، بدعوى أن فارق التوقيت مع الدول المستضيفة قد يُرهق الموظف الشغوف بمتابعة كرة القدم.
لنتوقف قليلاً أمام هذا المقترح. فالإدارة العمومية، في جوهرها، وُجدت لخدمة المواطن لا لخدمة الموظف. فالمريض الذي يحتاج إلى وثيقة إدارية، والتلميذ الذي يستعد لامتحاناته، وصاحب المشروع الذي ينتظر ترخيصاً لإنجاز استثماره، جميعهم أولى بأن يحتلوا صلب اهتمام المشرّع، بدل الانشغال بجدولة أوقات العمل وفق مواعيد المباريات.
والأكثر إثارة للاستغراب أن هذا المقترح يتجاهل واقعاً تقنياً بسيطاً؛ إذ تتيح وسائل البث الحديثة ومنصات المشاهدة الرقمية متابعة المباريات مباشرة أو مشاهدتها في وقت لاحق، ما يجعل الحديث عن تعديل شامل لمواقيت الإدارة أمراً يصعب تبريره منطقياً.
لا أحد يُشكّك في حق المغاربة في دعم المنتخب الوطني والاحتفاء بإنجازات “أسود الأطلس”، لكن تحويل هذا الحماس الوطني المشروع إلى مبرر لطرح مقترحات من هذا النوع لا يعدو أن يكون شكلاً من أشكال الشعبوية المغلفة بالشعارات الوطنية.
وكان الأولى بهذا الجهد البرلماني أن يُوجَّه نحو قضايا أكثر إلحاحاً تمس الحياة اليومية للمواطنين، من قبيل غلاء المعيشة، وتداعيات عيد الأضحى الأخير على القدرة الشرائية للأسر، ومآل مليارات الدراهم التي خُصصت لدعم استيراد الأضاحي، واستمرار ارتفاع أسعار المحروقات رغم تراجع حدة الأزمات العالمية التي كانت تُتخذ مبرراً لذلك.
قد تمرّ كأس العالم وتنتهي مباريات المنتخب، وقد تُنسى نتائجها مع مرور الوقت، لكن الإدارة العمومية ستظل قائمة، ومعها حاجيات المواطنين وانتظاراتهم. وهؤلاء يستحقون ممثلين يطرحون قضاياهم الحقيقية تحت قبة البرلمان، لا أسئلة أقرب إلى أحاديث المقاهي منها إلى النقاشات التشريعية الجادة.



