حين انتصرت التفاهة على المعرفة… زمن انحسار الوعي في بحر الرقمنة

youssef23 أكتوبر 2025آخر تحديث :
حين انتصرت التفاهة على المعرفة… زمن انحسار الوعي في بحر الرقمنة

محمد لحياني : 9tv

 

في زمنٍ كنا نظنّه بدايةً لعصرٍ ذهبي من الفكر والمعرفة، تحوّل العالم الرقمي إلى مرآةٍ تعكس انحدار القيم وتراجع الوعي. حلمنا بأن تكون الثورة الرقمية بوابةً للنهضة، وأن تقرّب التكنولوجيا الإنسان من الحقيقة والعلم، فإذا بها تجرّه إلى دوامة من السطحية والتفاهة، حيث تغيب الفكرة، وتعلو الصورة.

لم تعد المنصات الرقمية فضاءً للحوار والنقاش، بل مسرحًا لعرض الذات وترويج الأوهام. صارت “الإعجابات” مقياسًا للنجاح، و“عدد المتابعين” عنوانًا للقيمة، في زمنٍ أصبحت فيه الشهرة تُشترى بالترند، لا تُكتسب بالمعرفة. هكذا انهزم العقل أمام الخوارزميات، وانتصر الضجيج على الفكرة.

الخوارزميات التي تدير هذا العالم الافتراضي لا تكافئ الإبداع ولا العمق، بل تروّج لما يثير الانفعال اللحظي ويطيل زمن المشاهدة. النتيجة: محتوى سطحيّ، سريع الزوال، يصنع رأيًا عامًا هشًّا يتغذّى من الصدمة لا من التفكير.

الخلل، كما يبدو، لا يبدأ في المنصة بل في المدرسة. منظوماتنا التربوية لم تُنشئ جيلاً ناقدًا بل متلقّيًا، يحسن النقر أكثر مما يحسن التفكير. أما النخب الثقافية فقد انسحبت من المشهد، تاركة الساحة لمؤثّرين يلهثون وراء الشهرة السريعة. وهكذا، وجدت “التفاهة” مكانها الطبيعي في الصدارة.

حتى الإعلام، الذي يفترض أن يكون مرآة الوعي، لم يسلم من هذا الانحدار. إذ تنازل عن رسالته التنويرية، وركض خلف الإثارة والجدل لجلب المشاهدات والإعلانات، فاختلط الرأي بالخبر، وتحوّل الجِدّ إلى عرضٍ استعراضي.

الأخطر من كل ذلك أننا لم نعد نستنكر التفاهة. لقد طبعنا معها، صارت جزءًا من حياتنا اليومية. نستهلكها، نضحك عليها، ثم نعيد نشرها ونحن نعلم أنها لا تستحق. في هذا المناخ، تحوّل العالم إلى “غرفة صدى” ضخمة، لا نسمع فيها سوى ما نريد، ولا نرى إلا ما يوافق أهواءنا، فغاب النقاش العمومي، وانهار الوعي الجمعي.

ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا. فالتاريخ يثبت أن كل فوضى تسبق نهضة، وكل انحدار يحمل في داخله شرارة بعث جديد. علينا فقط أن نعيد الاعتبار للعقل، للتربية، للقراءة، وللنقد، حتى نستعيد التوازن بين المعلومة والمعنى، بين التقنية والقيمة، بين السرعة والفكر.

فالسؤال الجوهري اليوم هو:
هل نريد أن نكون مجتمع “الترند” أم مجتمع “الفكرة”؟
الفرق بينهما هو الفرق بين ضجيجٍ مؤقت ونهضةٍ دائمة، بين استهلاك الصورة وصناعة الوعي.
إن المستقبل لا يُبنى بالمؤثرين… بل بالمفكرين.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة