9tv : محمد بونفاع
في مشهدٍ يختزل مفارقة صارخة بين التوجيهات العليا للدولة والممارسة اليومية لبعض الإدارات، تتحول مصلحة البطاقة الوطنية بمدينة خريبكة إلى نقطة توتر إداري، حيث لا يُستقبل مغاربة المهجر باعتبارهم رافعة وطنية، بل كأنهم عبءٌ يجب دفعه إلى متاهات المساطر المعقدة.
هنا، لا يسود منطق التيسير، بل منطق التعسير. لا يُحتكم إلى روح القانون، بل إلى تأويلات ضيقة تُفرغ النصوص من مقاصدها. فبدل أن تكون الوثيقة الرسمية، المصادق عليها من القنصليات المغربية بالخارج، جسر عبور قانوني سلس، تتحول إلى ورقة مشكوك فيها، تُقابل بالرفض، وكأنها صادرة عن كيان غريب لا يمت للدولة بصلة. أي مفارقة هذه، حين تصبح مؤسسات الدولة نفسها محل تشكيك داخل إدارة من المفروض أنها تمثلها؟
شهادات متطابقة تتحدث عن “حوار” إداري لا يشبه الحوار، بل أقرب إلى محاكمة غير معلنة، يُستدعى فيها المرتفق للدفاع عن وثائقه، وعن شرعية وضعيته، في ظل قراءة فردية للنص القانوني، تتغير حسب المزاج، وتُفصّل على مقاس اللحظة. الأخطر أن بعض القرارات تُحسم قبل دراسة الملف، وكأن النتيجة جاهزة سلفاً، وما المسطرة إلا واجهة شكلية لإضفاء شرعية وهمية على قرار مُسبق.
هذا الانزلاق من سلطة تطبيق القانون إلى سلطة تأويله، بل واحتكاره، يطرح سؤالاً جوهرياً: من يمنح لأي مسؤول إداري حق التحول إلى “مشرّع ميداني”؟ وكيف يمكن لإدارة عمومية أن تشتغل بمنطق الاجتهاد الفردي، في دولة تؤكد، على أعلى مستوى، على توحيد المساطر وضمان المساواة بين المواطنين؟
المفارقة الأكثر إيلاماً، أن ما يُرفض في خريبكة يُقبل بسلاسة في مدن أخرى، داخل نفس المنظومة الأمنية. نفس الوثيقة، نفس الوضعية، لكن مصير إداري مختلف. هنا تُفتح أبواب التيسير، وهناك تُغلق بإحكام. كأننا أمام جغرافيتين إداريتين: مغربٌ يحترم القانون، وآخر يعيد صياغته وفق قراءات محلية.
أما مغاربة المهجر، الذين يُفترض أن يجدوا في الإدارة الوطنية امتداداً طبيعياً لانتمائهم، فيجدون أنفسهم أمام سلوكيات تُوحي بالريبة، وتُشعرهم بالتهميش، بل أحياناً بالاحتقار غير المعلن. يُطلب منهم ما لا يُطلب من غيرهم، ويُعاملون بمنطق الشك بدل الثقة، وكأنهم غرباء في وطنهم.
هذا الواقع لا يسيء فقط إلى المرتفق، بل يمس بصورة الإدارة المغربية ككل، ويقوّض الجهود المبذولة لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات. فالتوجيهات الملكية ليست شعارات تُرفع، بل التزامات يجب أن تُترجم إلى سلوك إداري يومي، يحترم المواطن ويُيسّر عليه، لا أن يُثقل كاهله بإجراءات متناقضة.
اليوم، لم يعد الصمت خياراً. المسؤولية تقتضي تدخلاً واضحاً من المديرية العامة للأمن الوطني، لفتح تحقيق جدي، ووضع حد لأي ممارسات تخرج عن الإطار القانوني والمؤسساتي، مع إعادة الاعتبار لمبدأ وحدة الإدارة، وضمان تطبيق القانون بنفس الروح في جميع ربوع المملكة.
فالإدارة التي تُفسّر القانون حسب الأهواء، لا تُطبّق القانون، بل تُفرغه من معناه. والدولة التي تسعى إلى كسب ثقة أبنائها في الداخل والخارج، لا يمكن أن تسمح ببقاء جيوب إدارية تُغرد خارج هذا التوجه. فهل تتحرك الجهات المعنية لإعادة الأمور إلى نصابها؟ أم أن “الاستثناء الخريبكي” سيظل عنواناً لخللٍ أعمق يحتاج إلى مواجهة صريحة؟



