الأضحية التي فضحت الواقع…حين يصبح العيد موسماً للخوف وتتحول الشعائر إلى عبء اجتماعي.

9TV 9TVمنذ ساعة واحدةآخر تحديث :
الأضحية التي فضحت الواقع…حين يصبح العيد موسماً للخوف وتتحول الشعائر إلى عبء اجتماعي.

9tv : محمد بونفاع

“حسن الله عوان الدرويش”…

في المغرب، عيد الأضحى لم يعد مجرد شعيرة دينية مرتبطة بالاستطاعة، بل تحوّل عبر سنوات طويلة إلى امتحان اجتماعي قاسٍ، تُقاس فيه رجولة رب الأسرة، وتُوزن فيه كرامته وسط محيطه، ويُحاكم من خلاله أمام أعين أطفاله قبل المجتمع.
لهذا، فكل من يحاول اختزال الأزمة الحالية في سؤال: “علاش شريت الحولي؟” أو “علاش ما شريتيش؟” فهو إما لا يفهم طبيعة المجتمع المغربي، أو يتجاهلها عمداً.

المغربي لا يتعامل مع عيد الأضحى كطقس عابر، بل كجزء من الهوية الجماعية والذاكرة الشعبية والدينية.
المغربي قد يختلف في التدين، وقد يخطئ أو يقصّر، لكنه حين يتعلق الأمر بالشعائر، يتحول إلى كائن محافظ بطبعه، يعظم الرمزية حتى ولو أثقلته الظروف. لهذا نرى من يتوقف عن بعض العادات قبل رمضان، ويحترم حرمة المناسبات الدينية، ويتمسك بطقوس العيد رغم قساوة الواقع. هذه ليست ازدواجية، بل خصوصية مجتمع.

لكن ما يحدث اليوم كشف شيئاً أخطر بكثير من غلاء الأضاحي…

لقد كشف حجم الاحتقان الصامت الذي كان يتراكم داخل المجتمع المغربي منذ سنوات.
كشف أن المغاربة لم يعودوا غاضبين فقط من الأسعار، بل من شعور أعمق وأكثر خطورة: الإحساس بالعجز، والإهانة الاجتماعية، وفقدان الأمل في أن يتحسن الوضع.

فالأضحية ليست أصل الأزمة… بل هي فقط اللحظة التي انفجر فيها كل شيء دفعة واحدة.

حين يصبح المواطن عاجزاً عن شراء أبسط مقومات العيش الكريم، ثم يُطلب منه في الوقت نفسه أن يحافظ على صورته الاجتماعية، فهنا تبدأ الكارثة النفسية قبل الاقتصادية.
لهذا أصبحنا نرى هذا الكم من العدوانية والكراهية والتخوين في مواقع التواصل الاجتماعي، لأن المجتمع حين يُضغط اقتصادياً لفترة طويلة يبدأ في أكل نفسه بنفسه.

السلطة الحقيقية لأي حكومة لا تُقاس بعدد البلاغات ولا بحجم الوعود، بل بقدرتها على حماية التوازن الاجتماعي.
وهنا تحديداً يظهر الفشل الكبير…

لأن ما وقع لم يكن قدراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لسنوات من السياسات المرتبكة، وترك السوق بلا ضوابط حقيقية، وتحويل المواطن إلى الحلقة الأضعف في معادلة يربح فيها الجميع إلا هو.

منذ جائحة كورونا كان واضحاً أن المغرب مقبل على أزمة في القطيع الوطني، وكان واضحاً أن الأمن الغذائي ليس ترفاً، بل قضية سيادة وطنية.
لكن بدل بناء سياسة فلاحية تحمي الإنتاج الداخلي وتدعم الكسّاب الصغير والمتوسط، تُرك المجال لمنطق الريع والمضاربة والاحتكار، حتى أصبح “الفراقشي” و”الشناق” أقوى من مؤسسات يفترض أنها تسهر على ضبط السوق.

والأخطر أن الحكومة تركت المواطن يواجه المواطن، وكأن “الشناق” وحده هو من يتحكم في الاقتصاد الوطني.
بينما الحقيقة أن المضارب الصغير لا يظهر إلا عندما تغيب الدولة أو تتواطأ بالصمت.

كيف يمكن إقناع الناس بأن المشكل ظرفي، بينما الأسعار ترتفع في كل شيء بلا استثناء؟
من الخضر واللحوم إلى النقل والمحروقات والكراء والدواء… حتى أصبح الغلاء هو القاعدة والاستقرار هو الاستثناء.

ثم نأتي إلى بيت القصيد…

المحروقات.

في أي دولة تحترم نفسها، حين يؤكد مجلس المنافسة وجود اختلالات وأرباح خيالية وغياب لمنافسة حقيقية، تتحرك الدولة لحماية السوق والمستهلك.
أما عندنا، فيبدو أن الجميع اقتنع بأن المواطن مجرد آلة للأداء والصبر.

وهنا تظهر أخطر نقطة في المشهد كله، تضارب المصالح.

لأن المواطن البسيط أصبح يطرح سؤالاً مشروعاً ومؤلماً في الوقت نفسه.

كيف يمكن لمن يملك مفاتيح قطاع حيوي واستراتيجي أن يكون في موقع الحكم والخصم معاً؟

وكيف يمكن إقناع المغاربة بوجود إرادة حقيقية لضبط الأسعار، بينما المستفيد الأكبر من ارتفاعها يوجد في قلب السلطة الاقتصادية والسياسية؟

هذه الأسئلة لم تعد تُطرح فقط داخل المقاهي أو في الأحياء الشعبية، بل أصبحت جزءاً من الوعي الجماعي الجديد للمغاربة، خصوصاً مع انفجار مواقع التواصل الاجتماعي وتحولها إلى مرآة يومية للغضب الشعبي.

المشكلة اليوم ليست فقط في غلاء “الحولي”…
المشكلة أن فئات واسعة بدأت تشعر بأن العمل لم يعد يضمن الكرامة، وأن الأجر لم يعد يحمي الأسرة، وأن الطبقة المتوسطة تتآكل بسرعة مخيفة، وأن الفقير يُطلب منه دائماً أن يتحمل، بينما لا يرى أي أثر حقيقي لفكرة “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.

ولهذا فالمشهد الحالي خطير جداً…

لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي دولة، ليس الفقر وحده، بل تطبيع الناس مع الإحساس بالظلم، وتحويل الغضب الشعبي إلى صراع أفقي بين المواطنين بدل أن يتحول إلى نقاش حقيقي حول السياسات العمومية والاختيارات الاقتصادية.

المغاربة لا يريدون المعجزات…
يريدون فقط دولة تحميهم من الجشع، وتحفظ كرامتهم، وتجعل العيد مناسبة للفرح لا موسماً للإذلال الجماعي.

وإلى أن يحدث ذلك…
سيبقى “الدرويش بوحدو اللي كيخلص”.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة