محمد لحياني : 9tv
يشكل “بوجلود” أو “بيلماون” أحد أبرز المظاهر التراثية والثقافية المرتبطة بعيد الأضحى بمنطقة سوس وعدد من مناطق المغرب، باعتباره تقليدًا شعبيا متجذرًا في الذاكرة الجماعية ويحمل أبعادًا رمزية وفنية تعكس غنى الموروث الأمازيغي وتنوعه الثقافي.
غير أن النقاش حول هذا الموروث لم يعد يقتصر على أهمية الحفاظ عليه ونقله إلى الأجيال المقبلة، بل أصبح يمتد إلى بعض الممارسات والسلوكات التي ترافق الاحتفالات في عدد من المناطق، والتي تثير تساؤلات متزايدة حول مدى انسجامها مع روح هذا التراث وأهدافه الأصلية.
ففي كل موسم تتكرر مشاهد تفرض نفسها على واجهة الأحداث، من شجارات ومواجهات وأعمال عنف وتوقيفات أمنية، فضلاً عن حالات الفوضى التي تعرفها بعض الأحياء والشوارع، وهو ما ينعكس سلباً على صورة هذه التظاهرة الثقافية ويؤثر على شعور المواطنين بالأمن والراحة خلال فترة الاحتفالات.
ورغم المجهودات الكبيرة التي تبذلها السلطات المحلية والمصالح الأمنية والقوات المساعدة ومختلف المتدخلين من أجل تأمين الفضاءات العمومية وضمان سلامة المواطنين، فإن حجم التجمعات البشرية وما يرافقها أحياناً من سلوكات غير مسؤولة يفرض تحديات متزايدة تتطلب مقاربة أكثر شمولية في التنظيم والتأطير.
كما أن عدداً من المواطنين يشتكون سنوياً من صعوبات التنقل وعرقلة حركة السير والجولان بسبب الاكتظاظ وإغلاق بعض المحاور الطرقية، إضافة إلى الفوضى التي تتسبب فيها الدراجات النارية والتجمعات العشوائية التي تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل.
ومن جهة أخرى، يثير تدبير الدعم العمومي الموجه لهذه التظاهرات نقاشاً مشروعاً حول سبل توظيفه بالشكل الذي يحقق قيمة ثقافية حقيقية. فالحفاظ على التراث لا يقتصر على تنظيم المواكب والعروض الاحتفالية فقط، بل يتطلب أيضاً مواكبة علمية وثقافية من خلال الندوات واللقاءات الفكرية والمعارض التوثيقية التي تبرز الأبعاد التاريخية والأنثروبولوجية لهذا الموروث.
إن تثمين “بوجلود” يمر عبر تطوير محتواه الثقافي والفني، وتشجيع البحث الأكاديمي المرتبط به، وإشراك الباحثين والمهتمين والطاقات الشابة في صياغة برامج قادرة على الجمع بين الفرجة والمعرفة، وبين المحافظة على الهوية واحترام النظام العام.
فالدفاع عن التراث لا يعني التغاضي عن الاختلالات، كما أن انتقاد التجاوزات لا يعني الدعوة إلى إلغاء هذه العادة أو طمسها من الذاكرة الجماعية. بل إن حماية هذا الموروث تقتضي العمل على تنقيته من السلوكات الدخيلة التي تسيء إليه وتفرغه من رسالته الثقافية والاجتماعية.
واليوم، تبدو الحاجة ملحة إلى رؤية جديدة تجعل من احتفالات بوجلود مناسبة ثقافية متكاملة، قائمة على التنظيم المحكم واحترام حقوق الساكنة وسلامة المواطنين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خصوصيتها التراثية التي جعلتها جزءاً من هوية المنطقة وذاكرتها الجماعية.
ويبقى الرهان الحقيقي هو تحقيق التوازن بين صون التراث وتثمينه من جهة، وضمان الأمن والنظام العام واحترام راحة المواطنين من جهة أخرى، حتى يظل بوجلود مناسبة للاحتفاء بالثقافة والهوية، لا مصدراً للجدل أو الفوضى.



