جامعة ابن طفيل تراهن على تكوين جيل جديد من صناع السينما والوسائط

جامعة ابن طفيل تراهن على تكوين جيل جديد من صناع السينما والوسائط
youssef31 أغسطس 2026آخر تحديث : منذ شهرين

نور الدين فراحي : 9tv

 

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع السينما والسمعي البصري والصناعات الثقافية والإبداعية، باتت الجامعة مطالبة بتجاوز الدور التقليدي المرتبط بالتلقين النظري، والانفتاح أكثر على الممارسة المهنية والتطورات التكنولوجية والقانونية التي تعرفها هذه المجالات.

وفي هذا السياق، تبرز تجربة شعبة الفنون والوسائط بكلية اللغات والآداب والفنون بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، باعتبارها تجربة أكاديمية تسعى إلى الجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي، من خلال مسالك جديدة في السينما والكتابة الإبداعية والوسائط والفنون الرقمية.

وتقوم هذه التجربة على تصور يعتبر الطالب فاعلاً في العملية الإبداعية، وليس مجرد متلق للمعرفة، عبر تمكينه من أدوات التفكير والإنتاج وتحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للإنجاز، مع الانفتاح على المهنيين والمؤسسات الفاعلة في القطاع.

من المعرفة النظرية إلى الممارسة

وأوضح الأستاذ هشام موساوي، رئيس شعبة الفنون والوسائط بكلية اللغات والآداب والفنون بجامعة ابن طفيل، أن رؤية الشعبة تقوم على إعادة التفكير في موقع الفنون داخل الجامعة المغربية، والانتقال من التعامل معها كمجال تكميلي إلى اعتبارها مجالاً لإنتاج المعرفة والإبداع.

وأشار إلى أن التكوين في المجال الفني لم يعد ممكناً بمعزل عن التحولات التي تعرفها الصناعات الثقافية والإبداعية، مؤكداً أن الجمع بين التفكير في الصورة والممارسة بها أصبح ضرورة لخلق تكوين قادر على مواكبة واقع القطاع.

وتراهن الشعبة، وفق المتحدث، على بناء جسر بين الجامعة والمجال المهني، بما يسمح للطالب بتطوير مهاراته الفنية والفكرية والتقنية، مع الحفاظ على الحس النقدي والثقافة الجمالية.

الذكاء الاصطناعي يفرض مراجعة التكوينات

وأبرز موساوي أن التطور التكنولوجي، وخاصة الذكاء الاصطناعي، أحدث تحولات كبيرة في مجال السمعي البصري والسينما، سواء على مستوى أدوات الإنتاج أو طبيعة المهن أو الأسئلة القانونية والأخلاقية المرتبطة بها.

ويرى أن البرامج الجامعية تحتاج إلى قدر من المرونة حتى تتمكن من مواكبة هذه التحولات، غير أن الجامعة، بحسب تصوره، لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد فضاء لتعلم الأدوات التقنية.

وشدد على ضرورة تكوين طالب يجمع بين الثقافة الفنية والحس النقدي والكفاءة الإبداعية والمعرفة التقنية والوعي بالمتطلبات المهنية.

مسالك جديدة لتوسيع التكوين السينمائي

وفي ما يتعلق بإحداث مسلك التميز في السينما والكتابة الإبداعية، أوضح رئيس الشعبة أن الخطوة جاءت ضمن رؤية تروم الاستفادة من الطلبة المتفوقين والمتميزين، والاستجابة للحاجة إلى توسيع قاعدة التكوين في المجالات السينمائية.

وأضاف أن التجربة تطورت تدريجياً لتشمل خمسة تكوينات مرتبطة بشكل مباشر بالسينما، إلى جانب مجالات أخرى تتقاطع مع الصناعات الثقافية والوسائط والفنون الرقمية.

ويكتسي التكوين السينمائي داخل الجامعة أهمية خاصة، بالنظر إلى كونه يوسع دائرة المستفيدين من هذا النوع من التكوين، خصوصاً مع اعتماد اللغة العربية لغة أساسية للتدريس.

التكوين وسوق الشغل.. معادلة التوازن

وأكد موساوي أن إعداد التكوينات استفاد من التجربة الأكاديمية لأعضاء الفريق البيداغوجي، ومن الاحتكاك المباشر بالمهنيين والمؤسسات الرسمية وشركات الإنتاج وكتاب السيناريو.

غير أنه شدد على أن الجامعة لا يمكن أن تجعل تكويناتها رهينة بحاجيات السوق الآنية، باعتبار أن سوق الشغل نفسه يعرف تغيراً مستمراً.

ومن ثم، يتركز الرهان على تحقيق توازن بين المعارف الأساسية والمهارات المهنية والقدرة على التعلم الذاتي، بما يسمح للخريج بمواكبة التحولات التي قد يعرفها القطاع بعد سنوات من تخرجه.

الطالب مطالب بصناعة فرصته

ويرى رئيس شعبة الفنون والوسائط أن نجاح التكوين لا يقاس فقط بقدرة الطالب على استيعاب الدروس، وإنما بمدى قدرته على توظيفها وتحويلها إلى مشاريع.

فالطالب، حسب موساوي، ينبغي أن ينتقل من قراءة السيناريو إلى القدرة على كتابته وتحليله، ومن مشاهدة الفيلم إلى تفكيكه ونقده، ومن امتلاك فكرة إلى تطويرها وتحويلها إلى مشروع إبداعي.

كما يتعين عليه اكتساب مهارات مرتبطة بكتابة السيناريو، من صياغة الفكرة والـLogline والمعالجة الدرامية إلى بناء الشخصيات وتطوير أقواسها الدرامية، فضلاً عن الكتابة البصرية والتحليل الفيلمي.

ولا تتوقف الكفايات المطلوبة عند الجانب الإبداعي، بل تشمل كذلك فهم الجوانب القانونية والإدارية والمالية والتواصلية، والقدرة على تقديم المشروع والدفاع عنه.

شراكات مع المهنيين والمؤسسات

وتحتل الشراكات موقعاً محورياً في تصور شعبة الفنون والوسائط، إذ تسعى إلى إخراج التكوين من الإطار الجامعي المغلق وربطه بالممارسة المهنية.

وفي هذا الإطار، تم الانفتاح على عدد من المؤسسات والفاعلين في المجال، من بينهم المركز السينمائي المغربي والجمعية المغربية لنقاد السينما وشركات الإنتاج والقنوات التلفزية، إلى جانب الاستفادة من المهرجانات والورشات التكوينية.

كما يستفيد الطلبة من الإمكانات المتوفرة داخل الجامعة، من قبيل المسرح الجامعي والاستوديو وقاعات التكوين، بما يتيح لهم الجمع بين الدرس النظري والتجربة التطبيقية.

الحاجة إلى دعم أكبر للمشاريع الطلابية

ورغم أهمية هذه الشراكات، يرى موساوي أن الطموح يتجاوز ما تحقق إلى حدود الآن، مؤكداً الحاجة إلى شراكات أوسع مع المؤسسات والمهنيين والجهات الداعمة.

ويعتبر أن امتلاك الطالب لفكرة جيدة ومهارات إبداعية لا يكفي دائماً لإنجاز فيلم أو مشروع فني، لأن الإنتاج يحتاج بدوره إلى إمكانات وموارد مالية وتقنية.

ومن هذا المنطلق، يشدد على أن الاستثمار في مشاريع الطلبة يمثل استثماراً في مستقبل السينما المغربية، باعتبار أن الجامعة يمكن أن تكون فضاءً لاكتشاف المواهب وتطويرها.

نحو جامعة فاعلة في السينما المغربية

وعلى المدى المتوسط، تراهن شعبة الفنون والوسائط على خلق نوع من التنافس الإيجابي بين مختلف مؤسسات التكوين السينمائي في المغرب، بما يساهم في تطوير التجربة الأكاديمية والإبداعية.

أما الرهان البعيد، فيتجاوز مجرد تكوين الموارد البشرية لفائدة القطاع، ليصل إلى جعل الجامعة نفسها فاعلاً في تطوير السينما المغربية، من خلال الأبحاث والدراسات والمختبرات والمشاريع والأفلام التي ينتجها الطلبة والخريجون.

ويؤكد موساوي أن الهدف النهائي يتمثل في تكوين خريج يمتلك هوية مهنية وإبداعية واضحة، وقادراً على الانخراط في مختلف مراحل العمل السينمائي، من الكتابة والتصوير والإخراج إلى النقد والتحليل، مع امتلاك القدرة على تطوير أفكاره والدفاع عنها.

الجامعة كمختبر للمستقبل

ويخلص رئيس شعبة الفنون والوسائط إلى أن مستقبل السينما المغربية لا يرتبط فقط بعدد الأفلام المنتجة، وإنما كذلك بجودة التكوين وبالقدرة على إعداد جيل جديد من الكتاب والمخرجين والنقاد والمهنيين.

ومن هذا المنظور، تراهن تجربة جامعة ابن طفيل على جامعة أكثر انفتاحاً على القطاع والمهنيين والتكنولوجيا، دون التخلي عن وظيفتها الأساسية في إنتاج المعرفة وتنمية الحس النقدي والإبداعي.

فالرهان، في نهاية المطاف، لا يتعلق بتكوين طالب يعرف السينما فحسب، بل بصناعة مبدع قادر على التفكير فيها، وتحويل أفكاره إلى مشاريع، والمساهمة في بناء مستقبل جديد للفعل السينمائي المغربي.

رابط مختصر
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة