مصطفى البوابي : 9tv
تظل الرياضة، في جوهرها، رسالة سامية قوامها الأخلاق والاحترام والتسامح بين الشعوب، قبل أن تكون تنافساً على النتائج والألقاب. غير أن بعض السلوكيات الفردية، حين تنزلق خارج هذا الإطار، تُسيء إلى صورة اللعبة وتفرغها من قيمها النبيلة، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول مستقبل الكرة العربية وروحها الجامعة.
أثارت بعض التصرفات غير الرياضية التي صدرت عن لاعبين من المنتخب الأردني، عقب نهائي كأس العرب بقطر، موجة واسعة من الاستنكار في الأوساط الرياضية والإعلامية، ليس داخل المغرب فقط، بل كذلك في الشارع الرياضي الأردني وبين عدد كبير من المتتبعين العرب، الذين عبّروا عن أسفهم لما اعتبروه خروجاً عن القيم الأخلاقية التي يفترض أن تسود في المنافسات الرياضية.
ويتعلق الأمر بتجاهل عدد من لاعبي المنتخب الأردني لمصافحة مدرب المنتخب المغربي، الإطار الوطني طارق السكتيوي، في مشهد لم يلقَ أي مبرر رياضي أو أخلاقي، خاصة وأن المصافحة تبقى رمزاً عالمياً للاحترام المتبادل وروح “اللعب النظيف”، مهما كانت نتيجة المباراة أو طبيعة التنافس.
واعتبر متابعون أن مثل هذه السلوكيات لا تسيء فقط إلى صورة أصحابها، بل تمس بجوهر الرياضة التي وُجدت لتقريب الشعوب لا لتأجيج الخلافات، خصوصاً بين دول تجمعها روابط اللغة والدين والتاريخ المشترك. فالكرة العربية اليوم في أمسّ الحاجة إلى نماذج إيجابية تُكرّس قيم التواضع والاحترام، لا إلى تصرفات تزيد من منسوب الاحتقان.
ويجمع العديد من الفاعلين الرياضيين على أن طارق السكتيوي يُعد من الأطر الوطنية المحترمة، واسمًا وازنًا داخل الساحة الكروية، ويحظى بتقدير كبير من طرف رياضيين ومسؤولين عرب، وهو ما تُرجم في مواقف رسمية ورياضية عدة، تؤكد مكانته المهنية والإنسانية. وليس غريباً أن يعبر العديد من الرياضيين عن رغبتهم في التقاط صور تذكارية معه، تقديراً لمساره وخبرته.
كما أعاد هذا الحدث إلى الواجهة تصريحات سابقة لحارس المنتخب الأردني، دعا فيها أحد اللاعبين العرب إلى التحلي بالتواضع واحترام المنافسين، وهو ما جعل كثيرين يستغربون التناقض بين الخطاب والممارسة، ويؤكدون أن القيم لا تُرفع كشعارات، بل تُجسّد في السلوك داخل الميدان وخارجه.
وفي سياق متصل، استحضر متابعون رياضيون تصرفات بعثة المنتخب الجزائري، وطريقة التعامل مع طقوس الاستقبال المغربية التقليدية المتمثلة في التمر والحليب، والتي تُعد رمزاً للكرم وحسن الضيافة.
ففي الوقت الذي احترمت فيه باقي الوفود هذا التقليد، اختار بعض أفراد البعثة الجزائرية عدم التفاعل معه، في تصرف اعتبره كثيرون خروجاً عن أعراف الضيافة والاحترام المتبادل.
وزاد من حدة الجدل كون المنتخب الجزائري كان الوحيد الذي جلب معه تجهيزاته الغذائية وأفرشته الخاصة، ليؤكد سوء نية إخواننا الجزائريين. إضافة إلى تسجيل بعض السلوكيات داخل مقر الإقامة، وُصفت بعدم احترام كرم الضيافة وتجاوزاً للأعراف المتعارف عليها، وهو ما أثار استغراب الرأي العام الرياضي.
إن مثل هذه التصرفات، أياً كان مصدرها، لا تخدم لا الرياضة ولا العلاقات بين الشعوب، بل تسيء إلى صورة الكرة العربية التي يفترض أن تكون فضاءً للتسامح والتقارب. فالبلد المضيف يستحق الاحترام، وخصوصياته الثقافية والاجتماعية واجب مراعاتها، كما أن المنافسة الحقيقية تُقاس بالأداء داخل الملعب، لا بالاستفزازات خارجه.
فالرياضة أخلاق وسلوك قبل أن تكون نتائج وألقاب، وأن احترام الآخر يظل حجر الأساس لأي تنافس شريف. فالملاعب خُلقت لتجمع، لا لتقصي، ولتقرب بين الشعوب، لا لتزرع الفرقة بينها.



