محمد لحياني : 9TV
لم يعد التهديد الذي يستهدف القيم الاجتماعية محصوراً في الفضاء الواقعي، بل امتد بشكل واضح إلى العالم الرقمي، حيث أفرز الانتشار الواسع لمنصات مثل تيك توك وإنستغرام وفيسبوك ظواهر جديدة، من بينها ما يُوصف بـ“الدعارة الرقمية”، التي تقوم على توظيف المحتوى بهدف الإثارة والاستغلال وجذب التفاعل.
هذه الظاهرة لا تتعلق فقط بمحتويات مثيرة للجدل، بل تتجاوز ذلك إلى منظومة رقمية تستثمر في الجسد والهشاشة النفسية والرغبة في الشهرة السريعة، حيث يتم تسويق صور وسلوكيات تُقدَّم على أنها حرية أو جرأة، بينما تحمل في طياتها رسائل تطبيع مع الانكشاف والابتذال، خاصة في أوساط الفئات الشابة.
من الترفيه إلى الاستغلال
في السنوات الأخيرة، تحولت بعض المضامين الرقمية من محتوى ترفيهي بسيط إلى خطاب يقوم على الإثارة كوسيلة للانتشار. ولم يعد الأمر يقتصر على صور أو فيديوهات عابرة، بل أصبح يعتمد على بناء صورة نمطية تربط النجاح بعدد المشاهدات، ولو على حساب القيم أو الخصوصية.
وتُسهم خوارزميات المنصات في تضخيم هذا النوع من المحتوى، حيث تمنح الأفضلية لكل ما يثير الجدل ويحقق تفاعلاً سريعاً، مما يدفع البعض إلى تبني أساليب أكثر جرأة لجذب الانتباه، في مقابل تراجع المحتوى الهادف والمتزن.
الهشاشة النفسية.. مدخل للاستغلال
تُعد الفئات التي تعاني من فراغ عاطفي أو ضعف في الدعم الأسري الأكثر عرضة للتأثر بهذه الظواهر، إذ قد تتحول المتابعة البسيطة إلى تفاعل أعمق، ثم إلى علاقات رقمية غير متوازنة، تُستغل فيها الحاجة إلى الاهتمام والتقدير.
وغالباً ما يبدأ هذا المسار بخطوات تدريجية، مثل التعليقات والتواصل الخاص، قبل أن يتطور إلى أشكال من الضغط أو الابتزاز أو الاستغلال، ما يجعل هذه الظاهرة ذات أبعاد نفسية واجتماعية خطيرة، خاصة على المراهقين.
رهانات المواجهة
أمام هذا الواقع، يبرز دور الأسرة والمدرسة والمجتمع في تعزيز الوعي الرقمي، وتوجيه الناشئة نحو الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، إلى جانب أهمية تقوية المراقبة الذاتية لدى المستخدمين، وعدم الانسياق وراء المحتويات التي تسعى فقط للإثارة دون قيمة حقيقية.
كما تبقى الحاجة ملحة إلى توازن بين حرية التعبير وحماية المجتمع، من خلال تعزيز ثقافة رقمية واعية تحافظ على القيم، وتحصّن الأفراد من الوقوع في دوائر الاستغلال أو التأثير السلبي.



