مصطفى البوابي : 9TV
أعلنت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة عن ضبط 4929 حالة غش خلال الامتحان الجهوي الموحد للسنة الأولى بكالوريا دورة يونيو 2026، بارتفاع بلغ 167 في المائة مقارنة بدورة 2025، وهو ما عزته الوزارة إلى تشديد المراقبة وتعميم النظام الإلكتروني لرصد الغش داخل مراكز الامتحان. كما تم تجهيز المراكز بحوالي 2000 وحدة إلكترونية وتكوين أكثر من 4000 إطار تربوي وإداري لاستعمال هذه الأنظمة.
ولا شك أن حماية مصداقية الامتحانات وضمان تكافؤ الفرص بين المترشحين هدف مشروع وضروري، غير أن المبالغة في الإجراءات الرقابية تطرح بدورها أسئلة مشروعة. فالامتحان في الأصل لحظة لقياس التحصيل العلمي والمعرفي، لكنه يتحول أحيانا إلى فضاء للتوجس والترقب، حيث يجد التلميذ نفسه محاطا بالمراقبين والأجهزة والتعليمات المتكررة، مما يؤثر على تركيزه وراحته النفسية.
فكثير من التلاميذ المجدين لا يعانون من صعوبة الأسئلة بقدر ما يعانون من ضغط الامتحان نفسه. وعندما يشعر المترشح بأنه مراقب بشكل دائم، وأن أي حركة أو تصرف قد يثير الشكوك، فإن جزءا من طاقته الذهنية ينصرف إلى الخوف من الوقوع في الخطأ بدل التركيز على الإجابة. وهنا يصبح الامتحان اختبارا للأعصاب أكثر منه اختبارا للمعارف.
وفي المقابل، أثبت الواقع أن تشديد المراقبة وحده لا يقضي على الغش، بل يدفع بعض المترشحين إلى ابتكار وسائل جديدة وأكثر تطورا للتحايل. إنها معركة تقنية مفتوحة؛ فكلما تطورت وسائل الرصد تطورت معها أساليب الغش، وهو ما يجعل المقاربة الزجرية وحدها غير كافية لمعالجة الظاهرة من جذورها.
لذلك فإن الحل الواقعي لا يكمن فقط في إضافة مزيد من الأجهزة والمراقبين، بل في معالجة الأسباب التي تدفع التلميذ إلى الغش أصلا، ومن أبرزها:
الضغط النفسي والخوف المفرط من الرسوب.
ضعف التحصيل الدراسي لدى بعض المتعلمين.
التركيز المبالغ فيه على النقطة والشهادة.
غياب التربية على قيم النزاهة والاستحقاق منذ المراحل الأولى.
كما أن من الضروري تعزيز حصص الدعم التربوي المجاني، وتطوير أساليب التقييم المستمر، وتوفير مواكبة نفسية للتلاميذ خلال فترات الامتحانات، حتى يشعر المتعلم بأن النجاح ثمرة اجتهاده لا نتيجة مغامرة قد تنتهي بمحضر غش وعقوبات تأديبية.
إن نزاهة الامتحانات لا تتحقق بالخوف وحده، بل بالثقة أيضا. فالمطلوب هو تحقيق توازن دقيق بين الصرامة الضرورية لمحاربة الغش، وبين توفير أجواء هادئة ومطمئنة تساعد التلميذ على التركيز وإبراز قدراته الحقيقية. فكلما شعر المتعلم بالإنصاف والطمأنينة، تراجعت حاجته إلى الغش، وارتفعت قيمة النجاح المستحق.



