عندما تُقصى الحقيقة: كيف يقود غياب الموضوعية إلى صناعة التفاهة

youssef2 يناير 2026آخر تحديث :
عندما تُقصى الحقيقة: كيف يقود غياب الموضوعية إلى صناعة التفاهة

محمد لحياني : 9tv

 

في عصر تتسارع فيه وتيرة الأخبار وتتشابك المنصات، لم تعد الحقيقة هي الأكثر حضورًا في المشهد العام، بل حلّت محلها ضوضاء متواصلة تُغذّي السطحية وتمنح التفاهة مساحة واسعة للانتشار. ومع تراجع الموضوعية عن الخطاب الإعلامي والثقافي، يتوارى صوت العقل، ويتصدر المشهد من يفتقرون إلى العمق الفكري والإحساس بالمسؤولية الأخلاقية.

فالموضوعية ليست خيارًا ثانويًا أو ترفًا مهنيًا، بل هي الأساس الذي يُبنى عليه أي خطاب ناضج ومسؤول. وحين تُستبدل بالمصالح الضيقة أو بالتحيز أو باللهاث خلف الإثارة، يتحول الإعلام من أداة للتنوير إلى وسيلة للتشويش، ومن فضاء للنقاش الجاد إلى منصة للابتذال. عندها، تُقاس الأفكار بعدد الإعجابات لا بقيمتها، ويُختزل التأثير في إثارة الجدل بدل إحداث الوعي.

أما المصداقية، فإن غيابها يشكل خطرًا مضاعفًا، لأنها لا تفضي فقط إلى محتوى هزيل، بل تكرّس حالة من الانحدار الأخلاقي العام. فحين يصبح الكذب أو تزييف الوقائع أو تسويق أنصاف الحقائق ممارسة عادية، يفقد المجتمع بوصلته القيمية، ويغدو التضليل سلوكًا مألوفًا، بل ومكافأ عليه أحيانًا.

وفي ظل هذا الواقع، تتجلى بوضوح ظاهرة “تصنيع التفاهة” كنتيجة حتمية لانهيار المعايير. يُقدَّم السطحيون كنجوم، ويُهمَّش أصحاب الفكر والمعرفة، وتُفرغ القضايا الكبرى من مضمونها لصالح عناوين صاخبة بلا عمق. الأخطر أن هذا النمط لا يُفرض قسرًا، بل يجد قبولًا لدى جمهور أُنهك بالتكرار، وجُرّد من أدوات النقد والتحليل.

ولا يمكن فصل هذا المشهد عن أزمة قيم أعمق يعيشها الخطاب العام؛ حيث تُطمس الحدود بين الجاد والهزلي، وبين العميق والسطحي، ويُسوّى الحق بالباطل. ومع تمييع هذه الفوارق، يصبح من الصعب الدفاع عن الحقيقة أو محاسبة الخطأ.

ومع ذلك، لا تتحمل وسائل الإعلام وحدها هذه المسؤولية، بل تتقاسمها النخب الثقافية والمؤسسات التربوية، وحتى الجمهور نفسه. فالمتلقي الذي لا يسائل ولا ينتقد ولا يطالب بالمصداقية، يساهم—عن وعي أو غير وعي—في تكريس هذا الانحدار. كما أن غياب التربية الإعلامية والنقدية يجعل المجتمع أكثر قابلية للاستهلاك السلبي وأقل قدرة على التمييز.

إن استعادة الاعتبار للموضوعية والمصداقية ليست مهمة يسيرة، لكنها ضرورة ملحّة. تبدأ بإعلاء قيمة الحقيقة، واحترام عقل المتلقي، وربط حرية التعبير بالمسؤولية، لا بالفوضى. فالمجتمعات لا تسقط فجأة، بل تتآكل تدريجيًا حين تُهمَّش المعايير، ويُكافأ التافه، ويُقصى العقل.

في النهاية، ليست المواجهة بين آراء متباينة، بل بين العمق والسطحية، وبين الصدق والتزييف. وحين نختار الصمت أمام غياب الموضوعية والمصداقية، فإننا نمنح التفاهة فرصة إضافية لقيادة المشهد، مخلفة وراءها فراغًا فكريًا وبؤسًا أخلاقيًا يصعب رأبه.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة